المقالات

حالت الشبهات الأمنية دون دعم إدارة ترامب لرضا بهلوي؟

بين حسابات واشنطن العميقة وتعقيدات الداخل الإيراني

حالت الشبهات الأمنية دون دعم إدارة ترامب لرضا بهلوي؟

بين حسابات واشنطن العميقة وتعقيدات الداخل الإيراني

بقلم: ناهض أحمد مولى

منذ عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية بخطاب متشدد تجاه طهران، عاد سؤال قديم ليتردد داخل أوساط المعارضة الإيرانية: لماذا لا تمنح الولايات المتحدة دعمًا واضحًا وصريحًا لرضا بهلوي، رغم حضوره الإعلامي ومواقفه المناهضة للنظام الإيراني؟

الإجابة المحتملة لا تبدو بسيطة أو أحادية البعد، بل ترتبط بحسابات أمنية واستراتيجية متداخلة تتجاوز الاعتبارات العاطفية أو الرمزية. ففي واشنطن، وخصوصًا في إدارة صنّفت الحرس الثوري منظمة إرهابية واعتمدت سياسة “الضغط الأقصى”، يُعد عنصر الثقة الأمنية شرطًا أساسيًا لأي تفكير في دعم بديل سياسي.

خلال السنوات الماضية، أثيرت تساؤلات حول بعض الشخصيات المحيطة برضا بهلوي، حيث تداولت أوساط سياسية معلومات عن ارتباطات سابقة أو محتملة لبعضهم ببيئات أمنية إيرانية، سواء عبر عمل استشاري داخل مؤسسات الدولة أو عبر نشاط إعلامي. ومن بين هذه الأسماء:

  • أمير حسين اعتمادي، الذي شغل سابقًا موقع مستشار لوزير المخابرات الإيراني علي فلاحيان.
  • سعيد قاسمي نجاد، الذي كتب في وكالة “تسنيم” المرتبطة بجهاز استخبارات الحرس الثوري.
  • أحمد باطبي وإيراج مصدقي، اللذان أثيرت حولهما تقارير تتحدث عن صلات سابقة بالبيئة الأمنية الإيرانية.

وسواء كانت هذه المعطيات تعكس روابط مباشرة أو مجرد تقاطعات سياسية، فإن وجود مثل هذا الجدل كافٍ — في بيئة صنع القرار الأمريكي — لإثارة التحفظ، خصوصًا في ظل تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

ويزداد هذا التحفظ تعقيدًا في ضوء تصريحات متكررة لرضا بهلوي وصف فيها الحرس الثوري بأنه “مؤسسة وطنية إيرانية”، داعيًا إلى الفصل بين بنيته العسكرية ودوره السياسي. قد يُقرأ هذا الخطاب في الداخل الإيراني كمحاولة لتجنب استعداء مؤسسة عسكرية نافذة أو كرسالة طمأنة لشرائح من داخل النظام، لكنه من زاوية واشنطن قد يُفسَّر باعتباره موقفًا غير حاسم تجاه جهة تعتبرها الولايات المتحدة أداة رئيسية لسياسات طهران الإقليمية.

وفي هذا السياق، برزت إشارة سياسية لافتة صدرت عن كاري ليك، إحدى الشخصيات الجمهورية البارزة والمقرّبة من دونالد ترامب والتي تتولى موقعًا قياديًا في الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (USAGM). فقد أكدت أن خدمة الفارسية في إذاعة “صوت أمريكا” (VOA Persian) استضافت عبر برنامجها الحواري “ميدان” طيفًا واسعًا من أصوات المعارضة الإيرانية، وأن القناة وجّهت دعوة رسمية إلى رضا بهلوي للمشاركة، لكنه لم يستجب لها، في حين روّج فريقه لرواية مفادها أن القناة لا ترغب في استضافته، وهو ما نفته ليك مؤكدة أن الدعوة ما تزال قائمة. وأضافت أن “صوت أمريكا” ستواصل عرض مختلف وجهات النظر بشأن إيران والانتفاضة الجارية دون تبنّي أو الترويج لأي قائد بعينه، معتبرة أن قرار اختيار البديل يعود إلى الشعب الإيراني نفسه.

تحمل هذه الإشارة دلالات سياسية مهمة؛ فهي تعكس — على الأقل ظاهريًا — حرص الإدارة الأمريكية على تجنب إظهار انحياز رسمي لشخصية بعينها داخل المعارضة. كما تعزز الانطباع بأن واشنطن لا تنظر حتى الآن إلى رضا بهلوي باعتباره الخيار الحاسم أو البديل المتوافق عليه. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار الجدل حول طبيعة بعض الدوائر المحيطة به، واحتمال تأثرها ببيئات سياسية أو أمنية إيرانية، قد يكون من بين العوامل التي تفسّر هذا التحفظ الأمريكي، دون أن يشكل ذلك موقفًا معلنًا أو اتهامًا رسميًا مباشرًا.

غير أن الاعتبارات الأمنية ليست وحدها الحاضرة. فداخل إيران نفسها، لا تزال مسألة القاعدة التنظيمية الفعلية لأي مشروع بديل موضع تساؤل. الانتفاضات الأخيرة أظهرت مشهدًا شبابيًا متنوعًا، تتداخل فيه هويات قومية ومناطقية متعددة. وفي هذا السياق، لم يعلن رضا بهلوي موقفًا تفصيليًا واضحًا تجاه حقوق الشعوب غير الفارسية، وهي مسألة حساسة تاريخيًا. فحقبة والده وجده ارتبطت بإسقاط حكومات محلية وبسياسات مركزية صارمة تجاه أقاليم مختلفة، وهي سياسات يرى بعض الناشطين أنها مهّدت لمسار طويل من التهميش استمر بأشكال مختلفة في ظل النظام الحالي. لذلك تنظر بعض النخب والتنظيمات غير الفارسية إلى مشروع بهلوي بحذر، معتبرة أن غياب ضمانات دستورية واضحة قد يعيد إنتاج نموذج الدولة المركزية الصلبة تحت عنوان جديد.

في المقابل، يلاحظ أن حضور بهلوي في بعض العواصم الأوروبية يبدو أكثر وضوحًا منه في واشنطن، لكن الحديث عن “دعم أوروبي منظم” يظل أقرب إلى التقدير منه إلى الموقف الرسمي المعلن. قد ترى بعض الدوائر الأوروبية في أي انتقال سياسي محتمل ضرورة أن يكون انتقالًا منضبطًا يحفظ الاستقرار ويمنع الفوضى، غير أن إدارة ترامب ذات النزعة الأحادية لا تميل تقليديًا إلى تبني خيارات يُنظر إليها على أنها تعكس مقاربة أطلسية مشتركة.

إلى جانب ذلك، ثمة عنصر تاريخي استخباراتي لا يمكن تجاهله. فالتجارب الأميركية السابقة في دعم معارضات خارجية دون قاعدة داخلية صلبة — كما حدث في تجارب أخرى في المنطقة — خلّفت حذرًا مؤسسيًا عميقًا. القاعدة التي ترسخت داخل دوائر الأمن القومي الأميركي هي أن “البديل الخارجي” لا يكفي ما لم يكن مدعومًا بواقع داخلي ملموس أو انقسام حقيقي داخل بنية النظام القائم.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن تحفظ إدارة ترامب لا يعكس بالضرورة رفضًا شخصيًا لرضا بهلوي، بقدر ما يعكس مقاربة براغماتية حذرة. فواشنطن، في لحظة تصعيد مع طهران، تبحث عن بديل تتوافر فيه ثلاثة شروط: وضوح الموقف الأمني، قابلية البناء التنظيمي الداخلي، وقدرة فعلية على إعادة صياغة العقد السياسي داخل إيران دون إعادة إنتاج أزمات الماضي. وحتى الآن، قد يكون التقدير الأميركي أن هذه الشروط لم تكتمل بصورة كافية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى