العراق بين الإنذار الأمريكي والقبضة الإيرانية: هل بدأت معركة كسر النفوذ؟
بقلم: ناهض أحمد مولى

العراق بين الإنذار الأمريكي والقبضة الإيرانية: هل بدأت معركة كسر النفوذ؟
بقلم: ناهض أحمد مولى
لم تعد الرسالة الأمريكية الأخيرة إلى بغداد مجرد تحذير دبلوماسي عابر، بل تبدو أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في الصراع المفتوح مع إيران، عنوانها: إعادة هندسة المشهد العراقي بالكامل. فالشروط التي حملتها واشنطن — فك الارتباط السياسي مع طهران، تفكيك الفصائل المسلحة وإعادة هيكلة الحشد الشعبي، وإبرام شراكة أمنية طويلة الأمد — لا تستهدف الحكومة العراقية بقدر ما تستهدف البنية العميقة للنفوذ الإيراني في المنطقة.
العراق اليوم ليس ساحة جانبية في المواجهة، بل الحلقة الأكثر حساسية في شبكة النفوذ الإيراني. منذ 2003، ترسّخ الحضور الإيراني عبر منظومات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين القرار العراقي وبعض دوائر التأثير في طهران. ومن هنا يمكن فهم طبيعة التصعيد الأمريكي: إنه محاولة لاقتلاع هذا التشابك من جذوره، لا مجرد تعديله.
المحور الأول من الرسالة — طرد المستشارين الإيرانيين وإنهاء مظاهر التنسيق الأمني — يعني عمليًا ضرب العمق الاستشاري والعسكري الذي بنت عليه طهران نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية. تنفيذ هذا البند لا يقتصر على إجراء إداري، بل يمثل انقلابًا في فلسفة التحالفات التي حكمت بغداد خلال العقدين الماضيين.
أما المحور الثاني، المتعلق بتفكيك الفصائل وإلغاء هيئة الحشد الشعبي بصيغتها الحالية، فهو الأكثر تعقيدًا وخطورة. فهذه الفصائل لا تشكل مجرد أذرع مسلحة، بل تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، إضافة إلى نفوذ سياسي واقتصادي واسع. كما أن بعضها يسيطر على منافذ وموانئ استراتيجية، ما يمنح طهران قدرة على الالتفاف على العقوبات عبر تهريب النفط وتسهيل نقل السلاح إلى حلفائها في الإقليم. بذلك، تصبح الموانئ العراقية بوابة إيرانية غير معلنة، تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل ردود الفعل داخل بغداد. تحالف “متحدون” السني رأى أن الرسالة الأمريكية تتجاوز مسألة تشكيل الحكومة، وتركّز جوهريًا على تقليص النفوذ الإيراني. حزب الزعيم الكردي مسعود بارزاني اعتبر التصعيد جزءًا من الضغط الأمريكي المتزامن مع المفاوضات النووية. أما ائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي، فحذّر من أن العراق قد يتحول إلى ساحة مواجهة إذا تعرضت إيران لضربة عسكرية.
أما الإطار الشيعي والمرجعيات الدينية في النجف، فتبدو أمام معادلة معقدة: إما الاستجابة للشروط الأمريكية، بما يعني إعادة تعريف العلاقة مع طهران، أو مواجهة حصار سياسي واقتصادي وربما تهديد عسكري. الرسالة الأمريكية، في جوهرها، تضع الزعامات الشيعية أمام خيار استراتيجي حاسم: الدولة الوطنية أم الامتداد الإقليمي.
لكن التحدي لا يقف عند حدود العراق. واشنطن تدرك أن هذه الفصائل تمثل الذراع غير المباشر لردع إيران. فإذا تصاعد الضغط، قد تستخدم طهران الساحة العراقية للرد عبر استهداف القواعد الأمريكية أو تهديد المصالح الغربية. هنا يتحول العراق من ملف سياسي إلى جبهة محتملة.
ولا يغيب عن المشهد أن هذه الميليشيات لم تقتصر أدوارها على العراق وحده، بل شارك بعضها، إلى جانب حزب الله اللبناني، في دعم عمليات قمع داخل إيران، بما في ذلك في إقليم الأحواز، حيث تشير تقارير إلى مشاركة عناصر من الحشد الشعبي في دعم الأجهزة الأمنية خلال احتجاجات سابقة تحت إشراف قاسم سليماني. وهذا يعكس أن شبكة الميليشيات ليست بنية عراقية محضة، بل جزء من منظومة أمن إقليمي عابر للحدود تخدم الاستراتيجية الإيرانية.
في النهاية، ليست المسألة في تشكيل حكومة جديدة، بل في تحديد هوية العراق الاستراتيجية: هل يبقى ركيزة في مشروع النفوذ الإيراني، أم يصبح نقطة ارتكاز في إعادة تموضع أمريكي أوسع في المنطقة؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل بغداد وحدها، بل ستسهم في رسم ملامح التوازن الإقليمي في المرحلة المقبلة بأسرها.



