
الشيخ خزعل في الخطاب الإيراني مجددًا: تحصين داخلي أم استشعار خطر خارجي؟
بقلم: ناهض أحمد مولى
يشكّل التحول المفاجئ في الخطاب الإيراني تجاه الشيخ خزعل الكعبي وقبيلته مؤشرًا سياسيًا لافتًا يتجاوز مجرد إعادة قراءة تاريخية. فالشخصية التي صُوّرت لعقود طويلة في السردية الرسمية الإيرانية باعتبارها جزءًا من “مرحلة التفكك” قبل قيام الدولة المركزية الحديثة، تعود اليوم إلى الواجهة بصيغة أقرب إلى الاعتراف بدورها السياسي والاجتماعي. هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي المتوتر الذي تعيشه طهران، ولا عن حساسية الجغرافيا الأحوازية في معادلة الأمن والطاقة.
تاريخيًا، ارتبط الشيخ خزعل بمرحلة ما قبل بسط السلطة المركزية الإيرانية على عربستان، وكان يمثل نموذجًا للقيادة المحلية ذات النفوذ السياسي والقبلي الواسع. تجاهل هذا الدور أو شيطنته كان يخدم رواية الدولة القومية المركزية التي تبلورت لاحقًا. لكن إعادة الاعتراف به اليوم توحي بأن طهران تعيد حساباتها تجاه الهويات المحلية في الأطراف، خصوصًا في المناطق ذات الثقل الاقتصادي.
السبب الأول لهذا التحول يبدو مرتبطًا بالوضع الداخلي الإيراني. فالدولة التي تواجه ضغوطًا اقتصادية خانقة واحتجاجات اجتماعية متكررة، لم تعد قادرة على إدارة الأطراف بالأسلوب الأمني الصرف فقط. إعادة استحضار رموز محلية وإدماجها في الخطاب الرسمي قد يكون محاولة لامتصاص مشاعر الاغتراب أو التهميش، واحتواء الهوية المحلية ضمن الإطار الوطني قبل أن تتحول إلى ورقة ضغط بيد أطراف خارجية.
السبب الثاني يرتبط بالبيئة الإقليمية والدولية. الأحواز ليست مجرد إقليم حدودي، بل قلب البنية النفطية والغازية الإيرانية، ومنطقة تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. في لحظة تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، تصبح المناطق ذات الثقل الطاقوي أكثر حساسية. لذلك، قد ترى طهران أن تثبيت الاستقرار الاجتماعي والسياسي في هذه المنطقة أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن الملف النووي أو الأمن العسكري.
من هذا المنظور، يبدو استحضار الشيخ خزعل محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع المكوّن العربي في الأحواز من زاوية “الاعتراف التاريخي” بدل الإقصاء الرمزي. الهدف ليس إعادة كتابة التاريخ بقدر ما هو إعادة تأطيره سياسيًا لخدمة الحاضر: سحب الرموز من فضاء المطالبة السياسية، ودمجها في سردية وطنية إيرانية أوسع.
لكن البعد الأهم قد يكون مستقبليًا. فالأحواز تقع في قلب أي تصور استراتيجي لإعادة ترتيب خرائط الطاقة أو ممرات النفوذ في الخليج. وإذا دخلت المنطقة مرحلة صراع إرادات بين قوى كبرى، فإن المناطق الغنية بالطاقة تصبح تلقائيًا ساحات تنافس غير مباشر. هنا قد يكون التحرك الإيراني استباقيًا، يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية في أكثر أقاليمها حساسية قبل أي تطورات إقليمية كبرى.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال استشرافي بالغ الحساسية: هل يمكن أن يظهر مستقبلًا سيناريو “سيطرة على الجنوب” بدل “فصل رسمي”؟ أي أن تتحول مناطق الطاقة في جنوب إيران إلى ساحة نفوذ أمني–اقتصادي مباشر أو غير مباشر تحت ذرائع حماية الممرات البحرية أو منشآت الطاقة، دون الذهاب إلى إعلان انفصال سياسي صريح. هذا النموذج لا يهدف إلى تغيير الحدود بقدر ما يركز على ضبط الموارد ومسارات التصدير، وهو نمط شهدته أزمات دولية أخرى عندما أصبحت مناطق الطاقة محور صراع بين قوى كبرى.
لا توجد مؤشرات حالية على مشروع دولي معلن لتقسيم إيران، لكن تجارب التاريخ الحديث تُظهر أن مناطق الثروة تتحول سريعًا إلى أوراق ضغط في لحظات المواجهة الكبرى. من هنا يمكن فهم التحرك الإيراني الثقافي–السياسي في الأحواز كجزء من استراتيجية وقائية: احتواء الهوية المحلية، تعزيز الانتماء الرمزي، وتقليل احتمالات تحوّل التعدد القومي إلى ثغرة جيوسياسية.
في النهاية، قد لا يكون السؤال المركزي في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت الأحواز ستنفصل، بل ما إذا كانت طهران قادرة على ضمان استقرار وولاء أكثر أقاليمها حساسية استراتيجيًا في حال تصاعد الصراع مع الغرب. إعادة إحياء الشيخ خزعل في الخطاب الرسمي قد تكون إشارة مبكرة إلى أن إيران بدأت تتعامل مع الأحواز ليس فقط كخزان طاقة، بل كمسألة أمن قومي سياسي–اجتماعي من الدرجة الأولى في زمن التحولات الكبرى.



