
بين نهج مصدق والحكم الذاتي: التناقض المؤجَّل في خطاب مريم رجوي
إعداد: ناهض أحمد مولى
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس الخطابات السياسية بما تقوله فقط، بل بما تؤجّله أيضًا. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة خطاب مريم رجوي في تجمع الإيرانيين ببرلين، حيث قدمت تصورًا لإيران المستقبل بوصفها “جمهورية ديمقراطية في امتداد طريق مصدق”، وفي الوقت نفسه تحدثت عن “الحكم الذاتي للقوميات”. ظاهريًا يبدو الطرح جامعًا، لكن القراءة المتأنية تكشف توترًا بنيويًا بين مرجعية سياسية تاريخية تميل إلى مركزية الدولة، وبين طرح يفترض أنه يمنح القوميات صلاحيات حكم ذاتي.
استدعاء اسم محمد مصدق في السياق الإيراني ليس محايدًا؛ فهو يرتبط في الذاكرة السياسية بمفهوم الدولة الوطنية الموحدة ذات القرار السيادي المركزي، خصوصًا من خلال تجربة تأميم النفط التي عززت سلطة الدولة المركزية في مواجهة النفوذ الأجنبي. ويُقرأ هذا الإرث عادة كرمز للاستقلال الوطني والسيادة المركزية، لا كنموذج لإعادة توزيع السلطة على أسس قومية أو إقليمية.
في المقابل، استخدمت رجوي عبارة واضحة هي “الحكم الذاتي للقوميات”، لكنها لم تحدد مضمون هذا الحكم الذاتي أو حدوده أو شكله المؤسسي. والأكثر دلالة أنها ربطت صياغة النظام السياسي المستقبلي بمرحلة لاحقة، حين قالت إن الدستور سيُكتب من قبل “مجلس مؤسسان” يُنتخب بعد إسقاط النظام. بهذا المعنى، يتم إرجاء البت في القضية الجوهرية إلى مرحلة انتقالية غير محددة المعالم، ما يجعل الوعد بالحكم الذاتي أقرب إلى التزام سياسي مؤجَّل منه إلى مشروع واضح المعالم.
هذا التأجيل يفتح الباب لقراءة سياسية ترى أن الخطاب يحاول مخاطبة جمهورين مختلفين في آن واحد: جمهور قومي فارسي يطمئن لمرجعية مصدق والدولة الموحدة، وجمهور من القوميات غير الفارسية يسمع عبارة “الحكم الذاتي” بوصفها اعترافًا نظريًا بحقوقه. الغموض هنا ليس تفصيلاً لغويًا، بل أداة سياسية تسمح ببقاء التحالف واسعًا من دون حسم الأسئلة الصعبة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والقرار.
يزداد هذا التوتر وضوحًا عند ملاحظة أن الخطاب لم يتطرق إلى آليات محددة: لا ذكر لنموذج فدرالي، ولا لصلاحيات تشريعية أو مالية للأقاليم، ولا لضمانات دستورية تمنع التراجع عن الحكم الذاتي مستقبلًا. ومع اختلاف مطالب القوميات في إيران — بين من يطالب بفدرالية كاملة ومن يركز على صلاحيات إدارية وثقافية موسعة — يبقى الغموض عنصرًا حاسمًا، إذ يسمح بتفسير العبارة الواحدة بطرق متناقضة.
في هذا السياق، يصبح “مجلس المؤسسان” ليس مجرد آلية ديمقراطية، بل مساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات بعد إسقاط النظام. من الناحية النظرية، قد يكون ذلك مدخلاً لحوار وطني شامل، لكن من الناحية السياسية يعني أن حقوق القوميات تظل رهينة موازين القوى في لحظة انتقالية قد تكون شديدة الاضطراب. وهنا يظهر التناقض بين خطاب يعِد بالاعتراف بالتعددية القومية، وخطاب آخر يربط المستقبل بمرجعية دولة مركزية قوية.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن رجوي تحاول أيضًا تقديم نفسها كبديل شامل قادر على الحفاظ على وحدة البلاد ومنع الفوضى بعد التغيير. من هذا المنظور، قد يكون الغموض مقصودًا لتجنب تفكك جبهة المعارضة. لكن هذا التكتيك يطرح سؤال الثقة: هل يمكن للقوميات أن تبني رهانها السياسي على وعود غير محددة، أم أن التجارب التاريخية تدفعها للمطالبة بضمانات مسبقة وواضحة؟
في المحصلة، الخطاب لا ينكر صراحة حقوق القوميات، لكنه لا يحسمها أيضًا. هو يفتح الباب نظريًا، ويؤجّل الحسم عمليًا. وإذا كانت رجوي تؤمن فعلًا بالحكم الذاتي، فإن التحدي الحقيقي أمامها ليس في الشعارات، بل في تحويل الفكرة إلى مشروع سياسي مُعلن ومُدافع عنه دوليًا. الاختبار العملي يتمثل في إعلان نموذج حكم واضح، وطرح ضمانات انتقالية مكتوبة، وفتح قنوات حوار مباشر مع التنظيمات والحركات التي تمثل القوميات المختلفة، إضافة إلى تحشيد شخصيات ومؤسسات دولية لشرح إيجابيات الفدرالية أو الحكم الذاتي كصيغة استقرار لا تفكك. دون ذلك، سيبقى “الحكم الذاتي” في خطابها وعدًا مؤجلاً معلقًا بين طموح القوميات وهاجس المركز.



