
القضاء الإيراني يراجع أدوات القمع: خطاب “التسامح” في زمن القلق الداخلي
إعداد: ناهض أحمد مولى
تعكس تصريحات رئيس السلطة القضائية في إيران، غلامحسين محسني إيجئي، تحوّلًا لافتًا في الخطاب الرسمي تجاه القضايا السياسية والعقائدية، في وقت يواجه فيه النظام ضغوطًا داخلية متراكمة وتحديات خارجية متصاعدة. الرجل لم يتحدث بلغة التشدد المعتادة، بل قال بوضوح إن “الأصل ليس أن تنتهي القضايا السياسية والعقائدية بالسجن”، مضيفًا أن “السجن في كثير من الحالات لا يملك الكفاءة اللازمة”. هذا التصريح، الصادر في لقاء مع أساتذة جامعيين ورجال دين، يتجاوز البعد القضائي ليعكس محاولة لإعادة ضبط أدوات السيطرة الداخلية ومنحها طابعًا أقل صدامًا.
إيجئي أقرّ بأن “المعالجة القضائية البحتة في القضايا السياسية قد لا تعطي النتائج المطلوبة، بل قد تخلّف تبعات جانبية”، وهو اعتراف نادر ضمنيًا بأن سياسة السجون الواسعة خلال موجات الاحتجاج السابقة لم تُنتج استقرارًا دائمًا. وفي إشارة مباشرة إلى التجارب الأخيرة، تحدث عن تشكيل عشرات آلاف الملفات، كثير منها لشباب وطلاب، مشددًا على أن “القرارات القاسية القائمة على السجن قد تخلّف آثارًا تعليمية واجتماعية سلبية”. هذا الطرح يسلّط الضوء على قلق النظام من تكوين جيل ناقم يصعب احتواؤه لاحقًا.
الخطاب الجديد يمنح صورة “متسامحة” نسبيًا، لكنه في جوهره يعكس إدارة أزمة داخلية أكثر منه مراجعة حقوقية شاملة. فحين يقول إيجئي إن “المسائل السياسية يجب أن تُعالج بالطرق السياسية، والمسائل العقائدية بالأساليب العقائدية، وليس عبر القاضي والسجن فقط”، فإنه يقرّ ضمنًا بأن المشكلة سياسية في جوهرها. هذا التوصيف يفتح الباب أمام أدوات احتواء غير قضائية: رقابة، احتواء اجتماعي، إعادة دمج، أو ضغوط ناعمة بدل العقوبات الصريحة.
في الوقت نفسه، لم يغب البعد الأمني. إيجئي شدد على ضرورة الدقة في القضايا الأمنية، وأشار إلى استثناء بعض الفئات من قرارات العفو، ما يدل على أن التخفيف لا يشمل الجميع. لكن اللافت أنه أقرّ بأن “عدد من لديهم سوابق أمنية مؤثرة كان محدودًا”، في محاولة لإظهار أن الغالبية ليست “خطرًا أمنيًا مزمنًا” بل فئات يمكن استيعابها.
التزامن بين هذا الخطاب وحديثه عن “جهاد شامل” ومواجهة مع “القوى الكبرى” يكشف السياق الأوسع: النظام لا يريد جبهة داخلية مشتعلة في مرحلة إقليمية حساسة. لذلك يبدو أن السلطة القضائية تسعى إلى تقليل كلفة السجن سياسيًا، وإظهار مراجعة ضمنية للأخطاء السابقة، دون التخلي عن أدوات الضبط. إنها محاولة لإنتاج صورة دولة أقل صدامًا في الداخل، وأكثر تركيزًا على إدارة التهديدات الخارجية، عبر مزيج من الاحتواء والرقابة بدل القمع الواسع المفتوح.
المصدر: إيرنا



