تقارير

تصعيد منظم أم إعادة تشكيل للنظام؟

إشارات متزامنة من طهران وواشنطن ترسم ملامح مرحلة جديدة

تصعيد منظم أم إعادة تشكيل للنظام؟ إشارات متزامنة من طهران وواشنطن ترسم ملامح مرحلة جديدة

إعداد – ناهض أحمد مولى

تشهد العلاقة بين طهران وواشنطن مرحلة غير تقليدية تتداخل فيها الدبلوماسية مع الردع العسكري والضبط الأمني الداخلي، في مشهد يوحي بأن التطورات الجارية تتجاوز مفاوضات تقليدية حول الملف النووي إلى إعادة ترتيب أوسع لمعادلة السلطة والسلوك الإيراني إقليميًا وداخليًا.

في هذا السياق، برز تصريح اللواء محمد باكبور، القائد العام للحرس الثوري الإيراني، الذي شدد على أن «جهاز استخبارات الحرس الثوري لعب دورًا بيِّنًا في حماية الحرس من محاولات الاختراق والزعزعة». هذا التصريح لا يُقرأ كرسالة أمنية داخلية فحسب، بل كمؤشر على حساسية المرحلة داخل بنية النظام، حيث يجري التشديد على تحصين المؤسسة الأكثر نفوذًا في الدولة تحسبًا لاحتمالات غير اعتيادية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أقرّ بوجود «جدار من انعدام الثقة تجاه الولايات المتحدة»، مؤكدًا أن بلاده «تسعى إلى مفاوضات حقيقية تؤدي إلى نتيجة، شريطة أن يكون الطرف الآخر جادًا». لكنه في الوقت نفسه أوضح أن إيران «مستعدة لكل الاحتمالات»، في إشارة إلى أن طهران تتفاوض بينما تستعد لاحتمال فشل المسار الدبلوماسي. هذه الازدواجية بين الانفتاح المشروط والجاهزية للمواجهة تعكس إدارة دقيقة للمخاطر، حيث لا يُفصل المسار السياسي عن الحسابات الأمنية.

في الداخل الإيراني أيضًا، برز تطور أمني يتمثل في أنباء عن اعتقال ثلاث شخصيات من التيار الإصلاحي بتهم تشكيل «خلية تخريبية تخدم مآرب الأعداء». توسيع تعريف “التهديد الأمني” ليشمل شخصيات سياسية مدنية يعكس خشية النظام من تزامن الضغوط الخارجية مع حراك داخلي قد يفتح الباب لمرحلة انتقال غير منضبطة، ما يدفعه إلى تضييق المجال السياسي تحسبًا لأي اختلال مفاجئ في التوازنات.

بالتوازي، حملت التحركات الأميركية إشارات عسكرية واضحة. فقد زار ستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي، وجاريد كوشنر، والأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln في بحر العرب بعد جولة المحادثات في مسقط. الرسالة بدت مباشرة: الدبلوماسية تسير تحت مظلة القوة العسكرية، والتفاوض لا يلغي الاستعداد الميداني.

هذه الزيارة لم تكن استعراضًا رمزيًا فحسب؛ إذ قال ويتكوف إنهم التقوا الطيار الذي «أسقط طائرة مسيّرة إيرانية اقتربت من الحاملة»، ما يعكس مستوى الاحتكاك القائم بالفعل حتى في ظل استمرار الحوار السياسي. هذا التزامن بين الحوار والاحتكاك الميداني يوحي بأن واشنطن تسعى إلى إبقاء الضغط قائمًا لمنع طهران من التعامل مع المفاوضات كمسار مفتوح بلا كلفة.

من منظور استراتيجي، تزامن هذه العناصر — خطاب أمني داخلي، تشدد تفاوضي محسوب، تحركات بحرية أميركية، واعتقالات سياسية — يشير إلى أن المرحلة الحالية قد لا تكون مجرد جولة مفاوضات صعبة، بل إدارة دقيقة لاحتمال إعادة تشكيل سلوك النظام الإيراني تحت ضغط مركّب.

أحد التفسيرات المتداولة في الأوساط التحليلية يرى أن واشنطن قد تسعى إلى تعديل نمط إدارة النظام الإيراني دون إسقاطه الكامل، عبر دفعه نحو تنفيذ التزامات نووية وإقليمية محددة مع الحفاظ على بنية الدولة لتفادي الفوضى الإقليمية. في هذا السيناريو، يصبح التحدي الأكبر أمام أي تفاهم محتمل داخليًا أكثر منه خارجيًا، إذ قد ترى مراكز القوة المتشددة — خصوصًا داخل الحرس الثوري — أن أي تعديل استراتيجي يهدد نفوذها.

هنا يمكن فهم التشديد الأمني الداخلي كجزء من معركة استباقية داخل بنية النظام، وليس فقط كتحصين ضد اختراق خارجي. كما أن الاتهامات الموجهة لشخصيات إصلاحية قد تندرج ضمن ضبط المجال السياسي لمنع أي مسار داخلي قد يتقاطع مع ضغوط الخارج أو يسرّع تحولات غير مرغوبة في موازين القوى.

في حال برزت مقاومة فعلية داخل مؤسسات النظام تعرقل تنفيذ أي تفاهمات، فإن أدوات الضغط الأميركية — وفق هذا التصور — قد لا تبقى عند حدود العقوبات، بل قد تتدرج نحو حصار بحري جزئي أو ضربات محدودة تستهدف مراكز تعطيل القرار، بهدف فرض مسار انتقال منضبط شبيه بنماذج إدارة الأزمات في دول أخرى، حيث يتم الحفاظ على هيكل الدولة مع تعديل رأس الهرم أو توازناته.

بهذا المعنى، قد تكون المرحلة الحالية أقرب إلى إدارة تغيير داخل النظام الإيراني وليس إسقاطه، مع محاولة تجنب الفوضى الإقليمية التي قد تنتج عن انهيار مفاجئ. السؤال الحاسم إذن ليس فقط ما إذا كانت المفاوضات ستنجح، بل ما إذا كان النظام الإيراني قادرًا على استيعاب إعادة التشكيل من الداخل دون انقسام حاد، أم أن الصراع بين أجنحته قد يدفع الأمور نحو مواجهة تتجاوز الدبلوماسية إلى فرض وقائع بالقوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى