المقالات

الأحواز في خطاب مريم رجوي: الحكم الذاتي بين الغموض السياسي والاستحقاق القانوني

بقلم: ناهض أحمد مولى

الأحواز في خطاب مريم رجوي: الحكم الذاتي بين الغموض السياسي والاستحقاق القانوني

بقلم: ناهض أحمد مولى

في خطابها الأخير ببرلين، أعلنت مريم رجوي أن إيران المستقبل ستكون «جمهورية ديمقراطية… مع فصل الدين عن الدولة، والحكم الذاتي للقوميات، وإيران غير نووية تعيش في سلام مع العالم». كما شددت على «المشاركة المتساوية لجميع أبناء الشعب، لا سيما القوميات الإيرانية، في الحقوق وإدارة الشؤون، من أكراد وبلوش وتركمان وعرب».

لا شك أن ذكر العرب بالاسم يمثل تطوراً في خطاب المعارضة الإيرانية، بعد عقود من إنكار الهوية القومية غير الفارسية أو حصرها في إطار أمني. غير أن أي خطاب سياسي، مهما بدا متقدماً، يحتاج إلى وضوح عملي، خصوصاً عندما يتعلق بمفهوم محوري مثل “الحكم الذاتي”.

فماذا يعني الحكم الذاتي عملياً؟ في التجارب الدستورية المعاصرة، لا يُقصد به مجرد توسيع صلاحيات إدارية، بل إطار سياسي واضح يشمل برلماناً إقليمياً منتخباً يملك صلاحيات تشريعية حقيقية، وحكومة محلية مسؤولة أمامه، وإدارة للشؤون الأمنية الداخلية، وصلاحيات مالية مستقلة، واعترافاً باللغة الرسمية للإقليم، إلى جانب ضمانات تمنع سحب هذه الصلاحيات بقرار مركزي لاحق.

الخطاب تحدث عن «الحكم الذاتي للقوميات» دون تحديد طبيعته أو مداه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المقصود لامركزية إدارية موسعة؟ أم حكم ذاتي سياسي ضمن نظام فيدرالي واضح؟ أم صيغة عامة تفتقر إلى السيادة الفعلية على الأرض والموارد؟ الفرق بين هذه الصيغ لا يتعلق بالتفاصيل التقنية، بل بطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها.

ومن زاوية المصطلحات، فإن الدقة ضرورية. استخدام عبارة «القوميات الإيرانية» بدلاً من “الشعوب” ليس مسألة شكلية. فالقانون الدولي ينص على أن «لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها». كلمة “شعب” ترتبط مباشرة بحق تقرير المصير، بينما قد تُفهم “قومية” باعتبارها هوية ثقافية داخل دولة مركزية لا يُعاد تعريفها. من منظور أحوازي، القضية لا تتعلق بالاعتراف بالهوية العربية فحسب، بل بالاعتراف بالشعب العربي في الأحواز كطرف أصيل في أي عقد سياسي جديد. فهل يُنظر إلى العرب كشعب يملك حق تقرير مصيره الداخلي، أم كقومية تُدار شؤونها ضمن حدود يرسمها المركز؟

كما شددت رجوي على أن الحكم الذاتي سيكون «ضمن إطار وطني جامع يحفظ وحدة البلاد». غير أن التجارب المعاصرة تُظهر أن الوحدة المستقرة لا تُفرض، بل تُبنى على رضا المكونات. ففي إقليم كردستان العراق، على سبيل المثال، جاء الحكم الذاتي بصلاحيات دستورية واضحة، ما أتاح للإقليم إدارة شؤونه ضمن دولة واحدة مع احتفاظه ببرلمان وحكومة وسلطات مالية خاصة. النموذج لم يلغِ الدولة، بل أعاد تنظيمها. السؤال هنا: هل يُراد للحكم الذاتي في إيران أن يكون بهذه الدرجة من الوضوح والضمان، أم مجرد صيغة عامة قابلة للتأويل؟

ومن اللافت أيضاً غياب أي إشارة مباشرة إلى إدارة الموارد الطبيعية. بالنسبة للأحواز، التي تمثل قلب الطاقة في البلاد، فإن الحديث عن حكم ذاتي دون صلاحيات اقتصادية فعلية يبقى ناقصاً. السيادة السياسية بلا سيادة اقتصادية تتحول إلى إدارة شكلية. هل ستملك الأقاليم المنتجة للنفط حق المشاركة في رسم السياسات الاقتصادية؟ وهل سيكون لها نصيب عادل من العائدات؟ أم ستبقى الثروة تحت إدارة مركزية مطلقة؟ هذه ليست تفاصيل فنية، بل أسئلة تمس جوهر العدالة في توزيع السلطة والثروة.

بالنسبة لأبناء الأحواز، القضية ليست نظرية. إنها أرض تُستخرج منها الطاقة، ومدن تعيش على هامش ثروتها، ولغة تسعى إلى اعتراف كامل في مؤسسات الدولة. لذلك فإن أي صيغة للحكم الذاتي لا تعالج واقع الأرض والثروة واللغة تبقى غير مكتملة.

كما أعلنت رجوي أن الدستور سيُكتب عبر مجلس تأسيسي خلال ستة أشهر من سقوط النظام. غير أن كتابة الدستور لحظة مفصلية تحدد شكل الدولة لعقود. فكيف سيتم تمثيل الأقاليم؟ وهل ستُدرج ضمانات واضحة تحمي الحكم الذاتي من أي تراجع مستقبلي؟ التجارب في المنطقة تؤكد أن غياب النصوص الصريحة يفتح الباب لإعادة إنتاج المركزية، ولو بأسماء جديدة.

ولا يمكن عزل الأحواز عن بعدها الجيوسياسي. فهي جغرافيا عربية مطلة على الخليج وتشكل شرياناً أساسياً للطاقة. أي إعادة تعريف للدولة الإيرانية سيكون لها أثر مباشر على أمن الخليج واستقرار الممرات البحرية وتدفق الطاقة العالمية. وفي إطار الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي، يظل تأمين الخليج وضمان استقرار طرق الطاقة أولوية ثابتة. ومن هذا المنظور، فإن بناء دولة قائمة على توازن دستوري حقيقي بين مكوناتها يعزز الاستقرار الإقليمي، ولا يهدده.

إن الاعتراف بحقوق الشعوب غير الفارسية، وضمان توزيع عادل للسلطة والثروة، يمثلان ركيزة للاستقرار لا مصدر قلق. والخطاب الذي يتحدث عن «الحكم الذاتي للقوميات» خطوة مهمة في كسر احتكار الهوية الواحدة، لكن قيمته تُقاس بمدى وضوحه القانوني وضماناته الدستورية.

بالنسبة للأحواز، المسألة تتجاوز البعد الثقافي؛ إنها مسألة حق سياسي واقتصادي في إدارة الأرض والثروة ضمن عقد دستوري عادل. فالتحدي ليس إسقاط نظام فحسب، بل إعادة تعريف الدولة على أساس شراكة حقيقية بين شعوبها. ولا يمكن بناء دولة مستقرة مطلة على الخليج العربي دون معالجة عادلة وجذرية للقضية الأحوازية العادلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى