المقالات
أخر الأخبار

تصريح خامنئي بعد قرار البرلمان: ردع استباقي أم تمهيد لتوسيع ساحة المواجهة؟

الكاتب: ناهض احمد مولى

تصريح خامنئي بعد قرار البرلمان: ردع استباقي أم تمهيد لتوسيع ساحة المواجهة؟

الكاتب: ناهض احمد مولى

جاءت تصريحاتالمرشد الإيراني علي خامنئي بأن أي هجوم على إيران سيقود إلى “ضربة قوية” وحرب إقليمية، في توقيت لافت مباشرة عقب خطوة برلمانية إيرانية غير مسبوقة صنّفت فيها طهران جيوش دول غربية “مجموعات إرهابية”. هذا التزامن لا يبدو عرضيًا، بل يضع الخطاب الإيراني الجديد في إطار تصعيد سياسي محسوب يتجاوز الردود الدبلوماسية التقليدية، ويعكس انتقالًا واضحًا من لغة الاحتجاج السياسي إلى محاولة إضفاء مشروعية أيديولوجية على معادلة ردع موسّعة. فالتصريح لا يكتفي بالتحذير من رد مباشر، بل يلمّح إلى احتمال اتساع ساحة المواجهة جغرافيًا عبر أدوات غير تقليدية، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان الخطاب يحمل أبعادًا عملياتية غير مباشرة، أم يظل ضمن حدود الردع النفسي والسياسي.

خامنئي قال إن إيران “لا تنوي مهاجمة أي دولة، لكن الأمة الإيرانية ستوجّه ضربة قوية لكل من يهاجمها أو يضايقها”، مضيفًا أن أي حرب أميركية “ستكون هذه المرة حربًا إقليمية”، في إشارة إلى أن مسرح المواجهة لن يبقى محصورًا جغرافيًا. صياغة التصريح تعكس معادلة دقيقة: نفي نية المبادرة بالهجوم، مقابل تعهّد برد واسع النطاق إذا تعرّضت إيران لضربة. هذه المعادلة تهدف، على ما يبدو، إلى ردع واشنطن عن التفكير في ضربة محدودة عبر رفع كلفتها المحتملة وتحويلها من عمل عسكري موضعي إلى شرارة مواجهة ممتدة.

اللافت أن التهديد لم يُحصر بالولايات المتحدة وحدها، بل شمل “كل من يهاجم أو يضايق”، وهو تعبير يوسّع الدائرة نظريًا لتشمل القوات الغربية، وخصوصًا الأوروبية، المنتشرة في الشرق الأوسط والممرات البحرية. من الناحية السياسية، يعكس ذلك محاولة إيرانية لنقل أي مواجهة محتملة من صراع ثنائي مباشر إلى اشتباك متعدد الساحات، ما يعقّد حسابات الخصوم ويزيد كلفة القرار العسكري عليهم. كما أن هذا التوسيع في تعريف “العدو المحتمل” يأتي في سياق الرد على قرارات غربية، أبرزها تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته طهران مساسًا مباشرًا ببنيتها العسكرية والسيادية.

في هذا السياق، يبدو أن الخطاب الإيراني لا يقتصر على التهديد التقليدي برد عسكري مباشر، بل يتصل أيضًا ببنية رد غير متماثل تم تطويرها على مدى سنوات. فقد بنت إيران شبكة نفوذ وأذرع غير نظامية في عدة ساحات إقليمية، من العراق إلى لبنان واليمن، بينما تراجعت فاعلية الساحة السورية في شبكة النفوذ الإيرانية خلال المرحلة الأخيرة. كما يُعتقد بوجود شبكات دعم مرتبطة بها خارج الإقليم، وفق تقديرات أمنية غربية. هذه البنية توفّر لطهران قدرة على توسيع الرد أفقيًا بدل الاكتفاء برد عمودي مباشر على مصدر الضربة.

وبناءً على هذا الفهم، يمكن قراءة تصريح خامنئي بوصفه إشارة مشروطة لهذه الشبكات: أي أن أي هجوم على إيران قد يفتح الباب لتحرك أطراف مرتبطة بها ضد مصالح وقوات أميركية وغربية في أكثر من ساحة. الفكرة هنا لا تتعلق بصدور “أمر عملياتي علني”، بل بترسيخ إطار سياسي وأخلاقي يبرر ردًا واسعًا ومتشعبًا في حال اندلاع مواجهة. وبهذا المعنى، يتحول الخطاب إلى عنصر من عناصر إدارة المعركة المحتملة مسبقًا، من خلال إيصال رسالة أن مسرح العمليات لن يبقى محصورًا داخل الحدود الإيرانية.

داخليًا، يخدم هذا التصعيد الخطابي هدفًا آخر يتمثل في تعزيز صورة القيادة كطرف قادر على الردع في مواجهة الضغوط والعقوبات، وتحويل التركيز من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى “التهديد الخارجي”. ففي أوقات التوتر الكبرى، تميل الأنظمة السياسية إلى استخدام لغة الأمن القومي لحشد القاعدة الداخلية وتقليل مساحة النقاش حول الأزمات الداخلية، وهو ما يبدو حاضرًا في توقيت هذا الخطاب.

خارجيًا، تسعى طهران إلى تثبيت معادلة تقول إن أي ضربة لن تكون محدودة أو قابلة للاحتواء، بل ستؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع النطاق. هذه الرسالة موجهة ليس فقط إلى واشنطن، بل أيضًا إلى العواصم الأوروبية ودول المنطقة التي تستضيف قوات غربية أو تعتمد على استقرار الممرات البحرية. الهدف هو خلق حالة ردع جماعي، تجعل كلفة الحرب المحتملة موزعة على عدة أطراف، وليس على طرف واحد فقط.

في الختام، يمكن قراءة تصريح خامنئي كجزء من استراتيجية ردع استباقي تسعى إلى منع الضربة قبل وقوعها عبر تعظيم كلفتها المتوقعة وتوسيع نطاقها المحتمل. هو تحذير شديد اللهجة يربط أمن إيران بأمن الإقليم كله، ويشير ضمنيًا إلى أن الرد لن يكون تقليديًا أو محدودًا. ورغم أن الخطاب لا يعلن انتقالًا فوريًا إلى الفعل العسكري، فإنه يضع إطارًا سياسيًا واضحًا يسمح بردود غير متماثلة وممتدة جغرافيًا إذا اندلعت المواجهة.

يبقى السؤال المطروح أمام الدول الغربية، وخصوصًا الأوروبية:
هل يُفهم هذا التحذير كجزء من لعبة الردع المتبادل؟
أم كمؤشر على أن طبيعة التهديد الإيراني باتت تتجاوز حدود الإقليم لتلامس مفهوم الأمن الدولي بشكل مباشر؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى