تقاريرالمقالات

قراءة عسكرية: القواعد البحرية الإيرانية المطلة على الخليج العربي

إعداد: ناهض أحمد مولى

قراءة عسكرية: القواعد البحرية الإيرانية المطلة على الخليج العربي

إعداد: ناهض أحمد مولى

تكشف الخرائط العسكرية الحديثة للانتشار البحري الإيراني عن بنية دفاعية–هجومية متشابكة تمتد من شمال الخليج العربي حتى سواحل بحر العرب، في شبكة مترابطة تجمع بين البحرية النظامية الإيرانية (IRIN) والقوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني (IRGCN). هذا الانتشار لا يعكس مجرد حماية تقليدية للسواحل، بل يوضح عقيدة عسكرية تقوم على “التحكم بالنيران” والإنذار المبكر وخلق بيئة معادية لأي قوة معادية تقترب من المجال البحري الإيراني.

في مركز هذه المنظومة تقع منطقة بندر عباس ومضيق هرمز، حيث تتمركز المنطقة البحرية الأولى للحرس الثوري بالتوازي مع المنطقة البحرية الأولى للبحرية النظامية المعروفة باسم Emamat Naval District. وتُعد قاعدة الشهيد باهنر البحرية من أبرز المراكز العملياتية، إذ ترتبط بشبكة مرافق لوجستية وموانئ عسكرية تتيح للحرس الثوري تشغيل الزوارق السريعة، والزوارق الهجومية غير المأهولة، ومنظومات الصواريخ الساحلية.

تمثل جزر قشم، لارك، وهرمز نقاط ارتكاز استراتيجية ضمن هذه المنظومة. هذه الجزر ليست مجرد مواقع جغرافية، بل منصات عسكرية متقدمة تحتوي على مواقع رادارية، وبطاريات صواريخ ساحلية مضادة للسفن، ومرافق دعم لوجستي تسمح بإدارة عمليات سريعة في حال اندلاع مواجهة. انتشار الحرس الثوري في هذه الجزر يمنحه قدرة على مراقبة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.

إلى الشرق، يمتد العمق البحري الإيراني عبر سواحل مكران حتى بحر العرب، حيث تبرز منشآت مثل قاعدة جاسك البحرية، التي تمثل نقطة تحول في العقيدة البحرية الإيرانية. هذه القاعدة تمنح طهران منفذًا مباشرًا إلى المياه المفتوحة بعيدًا عن عنق الزجاجة في مضيق هرمز، ما يتيح إعادة توزيع القطع البحرية وتوسيع نطاق العمليات في حال تعرضت السواحل الغربية لضغط عسكري.

كما تشير الخرائط إلى انتشار مواقع دعم عسكري على طول الساحل، تتضمن مخازن صواريخ متنقلة، ومرافق تحت أرضية، ومهابط للطائرات المسيّرة. هذا الانتشار المتدرج يخلق ما يمكن وصفه بـ“شبكة دفاع مرنة”، يصعب استهدافها بضربة واحدة حاسمة، ويجبر أي خصم محتمل على التعامل مع جبهات متعددة في آن واحد.

من زاوية عسكرية، يعكس هذا التوزيع اعتماد إيران على تكتيكات الحرب غير المتكافئة، حيث لا تسعى لمواجهة الأساطيل الكبرى بندّية تقليدية، بل لزيادة كلفة أي اقتراب عبر الصواريخ الساحلية، والزوارق الانتحارية، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية. هذا الأسلوب يهدف إلى تحويل البيئة البحرية إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد بدلاً من معركة حاسمة سريعة.

أمنيًا، يمنح هذا الانتشار القيادة الإيرانية أدوات ضغط استراتيجية، إذ يمكن تهديد الملاحة في الخليج العربي وبحر العرب دون إعلان حرب شاملة. مجرد رفع مستوى الجاهزية أو تحريك وحدات صاروخية ساحلية كفيل بإرسال إشارات ردع قوية للأسواق العالمية وللقوى الدولية الموجودة في المنطقة.

إقليميًا، يعزز هذا التموضع النفوذ الإيراني عبر ربط الجغرافيا بالاستراتيجية، بحيث تتحول السواحل إلى خطوط دفاع أمامية، وتتحول الجزر إلى قواعد إنذار وسيطرة. هذه المعادلة تجعل أي سيناريو عسكري ضد إيران مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة العالمي، وهو ما يشكل أحد أهم عناصر الردع غير المباشر التي تعتمد عليها طهران.

في المجمل، توضح الخرائط أن إيران لم تعد تنظر إلى البحر كمجال دفاعي فحسب، بل كساحة عمليات متكاملة تُدار من شبكة قواعد مترابطة. هذه الشبكة لا تضمن التفوق البحري، لكنها تضمن تعقيد أي عملية عسكرية معادية، ورفع كلفتها إلى مستويات قد تجعل قرار المواجهة أكثر صعوبة من الناحية السياسية والعسكرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى