
تقرير: مقارنة القوة العسكرية بين أمريكا وإيران… وسيناريوهات ما بعد طهران
احوازنا – حركة النضال العربي لتحرير الأحواز
يشكّل الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب اليوم إحدى أكثر البيئات العسكرية حساسية وتعقيدًا في العالم. هذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي عقدة استراتيجية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر حاسمة للنظام الدولي المعاصر:
1. أمن الطاقة العالمي
2. حرية الملاحة البحرية
3. التوازن العسكري بين قوة عظمى عالمية وقوة إقليمية ذات عقيدة غير تقليدية
الولايات المتحدة تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي وممرًا لا يمكن السماح بتعطيله. في المقابل، ترى إيران أن هذه الجغرافيا تمنحها ميزة ردعية فريدة تمكّنها من تعويض الفجوة التكنولوجية مع واشنطن عبر السيطرة على نقاط الاختناق البحرية وفرض معادلة “الكلفة مقابل المرور”.
ومن هنا نشأ ما يمكن وصفه بـ توازن ردع غير متماثل:
• الولايات المتحدة تعتمد على تفوق جوي وتقني وشبكي، وانتشار قواعد في دول متعددة يتيح لها الضرب من مسافات واتجاهات مختلفة.
• إيران تعتمد على شبكة دفاع ساحلي هجومي ترتكز على الصواريخ، الزوارق السريعة، الألغام البحرية، والمسيّرات، وتركّز على جعل أي تحرك عسكري في الخليج مكلفًا وفوضويًا.
هذا التقرير ينطلق من هذه المعادلة الأساسية ليقدم:
• خريطة واضحة للوجود العسكري الأمريكي (القواعد، الدول المستضيفة، الأدوار)
• البنية البحرية والعسكرية الإيرانية على الخليج وبحر العرب
• مقارنة عملية بين نمطي القوة
• وأخيرًا: تحليل استشرافي لما قد يحدث إذا انهار مركز القرار في طهران
الهدف هنا ليس التنبؤ بيوم محدد، بل فهم المسارات المحتملة التي قد تعيد تشكيل ميزان القوى في أخطر ممر طاقة في العالم.
أولاً: شبكة القواعد والانتشار العسكري الأمريكي
الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط موزّع على قوس جغرافي يطوّق إيران من الجنوب والغرب والشمال الغربي، ما يمنح واشنطن مرونة استراتيجية عالية ويقلل اعتمادها على نقطة واحدة.
قطر – قاعدة العديد الجوية
أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، وتعد مركز القيادة الجوية والعمليات. تستضيف عادة ما بين 10,000 – 11,000 عسكري. توفّر مدارج استراتيجية لطائرات القصف، الإنذار المبكر، التزود بالوقود، والطائرات المسيّرة.
البحرين – مقر الأسطول الخامس
قاعدة Naval Support Activity Bahrain تستضيف مقر القيادة البحرية الأمريكية في المنطقة. يقدّر عدد الأفراد المرتبطين بالقاعدة والمنشآت البحرية بحوالي 8,000 – 9,000. البحرين تمثل العقدة البحرية الأساسية لمراقبة الخليج ومضيق هرمز.
الكويت – العمق اللوجستي البري
• Camp Arifjan
• Camp Buehring
• Ali Al Salem Air Base
هذه القواعد تشكل مركز ثقل بري ولوجستي لدعم العمليات في العراق وسوريا والخليج. الأعداد متغيرة، لكن الكويت تُعد أكبر نقطة تموضع بري أمريكي في المنطقة.
الإمارات – قاعدة الظفرة الجوية
قاعدة جوية متقدمة لدعم مهام الاستطلاع والضربات بعيدة المدى، وتُستخدم كمنصة انطلاق للطائرات عالية التقنية.
السعودية – Prince Sultan Air Base
قاعدة دفاع جوي وصاروخي، تستضيف أنظمة باتريوت وTHAAD، وتشكّل عمقًا خلفيًا آمنًا نسبيًا بعيدًا عن مدى بعض التهديدات المباشرة.
العراق وسوريا
وجود محدود نسبيًا:
أقل من 2,000 جندي في العراق
قرابة 900 في سوريا
هذا الانتشار له وظيفة ضغط استراتيجي على الممرات البرية المرتبطة بإيران.
الأردن وتركيا
• Muwaffaq al Salti Air Base (الأردن)
• Incirlik (تركيا)
يوفران مرونة تشغيلية من الشمال الغربي.
الحجم الكلي
التقديرات تشير إلى 40,000 – 50,000 عسكري أمريكي في المنطقة، بخلاف القوات البحرية المتحركة.
ثانياً: البنية البحرية والعسكرية الإيرانية
إيران بنت استراتيجيتها البحرية على مبدأ:
“إذا لم أستطع هزيمتك في البحر المفتوح، سأجعل المرور قرب سواحلي خطيرًا ومكلفًا.”
البحرية النظامية (IRIN)
قوامها يقارب 18,000 عنصر. تنتشر في:
• بندر عباس (مركز القيادة)
• جاسك
• تشابهار (بوابة بحر العرب)
• بوشهر
هذه البحرية تمثل الذراع التقليدية بعيدة المدى.
بحرية الحرس الثوري (IRGCN)
تقديرات الأفراد: 20,000+
عقيدتها: حرب غير متكافئة
انتشارها يتركز في بندر عباس، الجزر القريبة من المضيق، ومواقع ساحلية على طول الخليج.
تستخدم:
زوارق سريعة مسلحة
ألغام بحرية
صواريخ ساحلية
مسيّرات هجومية
التكامل الإيراني
طبقة داخل الخليج (الحرس) + طبقة خارج المضيق (البحرية النظامية) = شبكة دفاع/هجوم طبقية تعقّد أي عملية عسكرية.
ثالثًا: طبيعة التوازن العسكري
عند مقارنة طبيعة التوازن العسكري بين إيران والولايات المتحدة، تظهر فروقات جوهرية في عدة عناصر أساسية:
في السيطرة الجوية، تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا ساحقًا، بفضل قدراتها الجوية المتقدمة وأنظمة القيادة والسيطرة المتطورة، في حين تبقى القدرات الجوية الإيرانية محدودة نسبيًا وتعتمد بشكل أكبر على الدفاع الجوي وليس الهيمنة الجوية.
أما في مجال الصواريخ، فالصورة مختلفة؛ إذ تعتمد إيران على ترسانة صاروخية كثيفة ومتعددة الأنواع، تُستخدم كأداة ردع رئيسية. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة صواريخ دقيقة وبعيدة المدى، تتميز بقدرتها العالية على إصابة الأهداف بدقة من مسافات كبيرة.
في المجال البحري، تعتمد الولايات المتحدة على أساطيل تقليدية متقدمة تشمل حاملات طائرات ومدمرات وغواصات ذات قدرات تكنولوجية عالية، ما يمنحها تفوقًا واضحًا في المعارك البحرية التقليدية. في المقابل، تعتمد إيران على أسلوب “حرب الاقتراب والاستنزاف”، باستخدام زوارق سريعة، ألغام بحرية، وصواريخ ساحلية، بهدف إرباك الخصم ورفع كلفة وجوده في المياه القريبة.
وفي جانب اللوجستيات، تمتلك الولايات المتحدة قدرات عالمية تتيح لها نقل القوات والإمدادات وتشغيل العمليات العسكرية عبر مسافات بعيدة ولمدد طويلة. أما إيران فتعتمد على قدرات لوجستية محلية، لكنها قريبة جغرافيًا من مسرح العمليات، ما يمنحها ميزة القرب وسرعة الدعم داخل نطاقها الإقليمي.
بهذا يتضح أن التوازن العسكري بين الطرفين لا يقوم على تماثل في القوة، بل على اختلاف في العقيدة والوسائل: تفوق تقني وتشغيلي أمريكي مقابل تركيز إيراني على الكثافة والاقتراب والاستنزاف.
رابعاً: سيناريوهات انهيار النظام الإيراني
السيناريو 1: انهيار سياسي مع بقاء الدولة الأمنية
قيادة جديدة أو مجلس طوارئ يتولى القرار. تستمر مؤسسات الأمن في العمل. تميل واشنطن إلى تفاهمات سريعة لاحتواء الفوضى.
السيناريو 2: انقسام داخل مراكز القوة
أجنحة متنافسة داخل الحرس والأجهزة. قرارات غير منضبطة تزيد مخاطر الاشتباك غير المحسوب في الخليج. تركز الولايات المتحدة على حماية الملاحة وتوجيه ضربات انتقائية.
السيناريو 3: تفكك واسع وفوضى أمنية
تراجع السيطرة المركزية واضطراب أمني واقتصادي. أخطر سيناريو على الطاقة العالمية. الاستجابة تكون عبر “حزام حماية خارجي” وليس احتلال الداخل.
في الحسابات الباردة لغرف القرار الغربية، لا يُنظر إلى الخليج العربي بوصفه مجرد مسرح نزاع إقليمي، بل باعتباره نقطة ارتكاز للنظام الاقتصادي العالمي. ومن هذا المنظور، تُختزل إيران في كثير من التحليلات الغربية إلى معادلة مزدوجة: دولة مقلقة عسكريًا، لكنها ضرورية استراتيجيًا كي لا تتحول المنطقة إلى فراغ فوضوي.
الرؤية الغربية التقليدية — التي تحمل في طياتها بعدًا استشراقيًا واضحًا — تميل إلى تصوير المنطقة باعتبارها فضاءً هشًا يحتاج دائمًا إلى “إدارة خارجية” لضبط إيقاعه. في هذا السياق، لا يُنظر إلى انهيار نظام في طهران كحدث تحرري أو تحول داخلي بحت، بل كمشكلة استقرار دولي يجب احتواؤها سريعًا. الأولوية هنا ليست شكل الحكم في إيران، بل سؤال واحد: هل ستبقى الممرات البحرية مفتوحة؟
لهذا السبب، تُظهر معظم التقديرات الغربية أن أي تحرك أمريكي واسع لن يهدف إلى محو البنية الإيرانية الساحلية بالكامل، ولا إلى تفكيك الدولة الإيرانية، بل إلى منع تحول الخليج إلى مساحة غير محكومة. فالفوضى، في الذهنية الاستراتيجية الغربية، أخطر من الخصم الضعيف. دولة معادية يمكن ردعها، أما انهيار الدولة في منطقة الطاقة الأهم عالميًا فيُعد تهديدًا بنيويًا طويل الأمد.
من هذا المنطلق، يُرجَّح أن أي صراع واسع أو انهيار داخلي في إيران سيدفع واشنطن إلى مقاربة مزدوجة: الضغط العسكري لتقليص القدرة على التعطيل، والانفتاح السياسي على أي مركز سلطة قادر على إعادة ضبط السواحل. هذه ليست مسألة ثقة، بل حساب مصالح بحت. الغرب لا يبحث عن “نصر أخلاقي” في الخليج، بل عن استمرارية النظام العالمي للطاقة والتجارة.
في النهاية، يكشف هذا المشهد عن مفارقة لافتة: إيران، التي تُصوَّر في الخطاب الغربي كعنصر اضطراب دائم، تُعد في الوقت ذاته عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في معادلة الاستقرار. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والمضائق لا يمكن نقلها، والدول الكبرى — مهما بلغت قوتها — لا تستطيع إدارة كل شاطئ بنفسها.
وهكذا، يبقى مستقبل الخليج معلقًا بين قوتين: قوة عظمى تسعى إلى إدارة المخاطر، ودولة إقليمية تستخدم الجغرافيا لتعويض الفجوة في القوة.
أما الشعوب المطلة على هذه المياه، فتبقى — في الحسابات الباردة — خارج المعادلة الكبرى، بينما تستمر السفن بالعبور، وأسواق الطاقة بالاهتزاز، والتوازن الدقيق بين الردع والفوضى في إعادة تشكيل نفسه مرة بعد أخرى.
الخليج، كما تراه العواصم الغربية، ليس ساحة انتصار… بل ساحة منع الانهيار.
المصادر
• تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) وقيادة القوات المركزية الأمريكية (CENTCOM)
• International Institute for Strategic Studies (IISS) – Military Balance
• Center for Strategic and International Studies (CSIS) – تحليلات الأمن الإقليمي
• تقارير رويترز ووكالات الأنباء الدولية حول القواعد والانتشار العسكري
• دراسات المعهد الشرق أوسطي (MEI) حول الأمن البحري الإيراني
• بيانات وبحوث البحرية الأمريكية والأسطول الخامس في البحرين



