
تحليل: الولايات المتحدة وإيران في سباق كسر الردع
إعداد: ناهض أحمد مولى
يشهد المشهد الإيراني في المرحلة الراهنة تصعيدًا متدرجًا في مستوى الضغط الأمني والعسكري الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها، في إطار مقاربة لا تهدف فقط إلى احتواء السلوك الإيراني، بل إلى تقويض بنية الردع التي يعتمد عليها النظام للحفاظ على تماسكه داخليًا ونفوذه خارجيًا. هذا الضغط لا يتخذ شكل مواجهة عسكرية مباشرة، بل يقوم على استنزاف محسوب، وفتح ثغرات أمنية واستراتيجية داخل البيئة المحيطة بطهران، مع الإبقاء على التهديد العسكري كخيار ردع دائم.
الاستراتيجية الأمريكية تقوم على إعادة هندسة ميزان القوة في المنطقة عبر أدوات متعددة. أولها تعزيز الوجود البحري والجوي في الخليج وبحر عمان، بما يضمن قدرة ردع فورية ويبعث برسالة واضحة بأن واشنطن قادرة على حماية خطوط الملاحة والطاقة. ثانيها تشديد العقوبات الاقتصادية، خصوصًا تلك التي تستهدف شبكات التمويل واللوجستيات المرتبطة بالحرس الثوري، في محاولة لتجفيف الموارد التي يعتمد عليها النظام في إدارة أجهزته الأمنية وتمويل أذرعه الإقليمية. أما الأداة الثالثة فتتمثل في تكثيف التنسيق الاستخباراتي مع الحلفاء، ما يرفع مستوى الرصد ويحدّ من هامش الحركة الإيراني.
في مواجهة هذا المسار، تحاول إيران سد الثغرات عبر تصعيد خطابها العسكري ورفع سقف التهديد. تصريحات قيادات في الحرس الثوري ومسؤولين في وزارة الخارجية الإيرانية تعكس حالة استنفار أمني–عسكري متقدمة، وتؤكد أن أي هجوم محتمل سيؤدي إلى امتداد الصراع خارج الحدود الإيرانية. هذه الرسائل لا تستهدف الولايات المتحدة وحدها، بل توجه أيضًا إلى الداخل، في مسعى لإظهار النظام بمظهر القادر على الردع والسيطرة، وتبرير تشديد الإجراءات الأمنية.
لكن خلف هذا الخطاب، تبرز مخاوف عميقة داخل بنية النظام. فالضغوط الخارجية تتقاطع مع أزمة داخلية متفاقمة، عنوانها الاحتجاجات الواسعة وتآكل الشرعية. المدن المركزية ذات الغالبية الفارسية، وعلى رأسها طهران، لم تعد بمنأى عن الغضب الشعبي، بل باتت مسرحًا لاحتقان اقتصادي واجتماعي متراكم. ارتفاع الأسعار، البطالة، وتراجع الخدمات، كلها عوامل تجعل أي تصعيد خارجي محفوفًا بمخاطر داخلية يصعب ضبطها.
إلى جانب ذلك، تمثل ورقة الشعوب غير الفارسية مصدر قلق استراتيجي مضاعف للنظام الإيراني. فهذه المكونات تعيش تاريخيًا في هامش الدولة، وتعاني من سياسات تهميش وقمع ممنهجة. أي اهتزاز في قبضة المركز، سواء بسبب ضغط خارجي أو تصعيد عسكري، قد يفتح المجال أمام تحولات أعمق في هذه المناطق. لذلك يحرص النظام على تشديد الرقابة الأمنية في الأطراف بالتوازي مع القمع في المركز، منعًا لتلاقي الاحتجاجات الاجتماعية مع أي تطور أمني إقليمي.
على المستوى العسكري، تدرك واشنطن أن كسر الردع الإيراني لا يتحقق بضربة واحدة، بل عبر تراكم الضغط وبناء بيئة من الشك داخل القيادة الإيرانية. سياسة “التصعيد المحسوب” تتيح للولايات المتحدة اختبار ردود الفعل دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي الوقت نفسه تُبقي النظام الإيراني في حالة استنزاف دائم. هذا النهج يهدف إلى تقليص قدرة طهران على المبادرة، ودفعها إلى التركيز على أمنها الداخلي بدل التمدد الخارجي.
في المقابل، تعتمد إيران على مزيج من الردع اللفظي، وتحريك أدواتها الإقليمية، وتشديد القبضة الأمنية في الداخل. غير أن هذا المسار يحمل مخاطره الخاصة، إذ إن استمرار القمع يزيد من حدة الاحتقان، ويجعل المجتمع أكثر قابلية للانفجار في حال وقوع صدمة كبرى، سواء كانت اقتصادية أو أمنية.
في المحصلة، لا يبدو أن الصراع بين واشنطن وطهران متجه نحو استنزاف طويل الأمد بقدر ما يقترب من لحظة حسم مؤجلة. حجم التحشيدات العسكرية الأمريكية، واتساع نطاق الانتشار البحري والجوي، يوحيان بأن خيار الضربة بات حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية، وأن مسألة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه لم تعد موضع نقاش مبدئي، بل مرتبطة بتوقيت سياسي–أمني محسوب بدقة.
واشنطن، وفق هذا المنطق، لا تتحرك بعجلة، بل تنتظر استكمال معالجة ملفات إقليمية موازية، أبرزها تثبيت سيطرة الدولة السورية على كامل الشمال الشرقي، وإنهاء الدور المسلح للمليشيات العراقية بما يمنع تحوّل أي مواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية مفتوحة. في المقابل، يدرك النظام الإيراني أن نافذة المناورة تضيق، فيكثّف القمع داخليًا ويصعّد الخطاب الخارجي في محاولة لرفع كلفة القرار الأمريكي. غير أن هذا السلوك يعكس في جوهره شعورًا متزايدًا بالهشاشة، خاصة مع تصاعد القلق من تفكك السيطرة على الداخل وتنامي حساسية ملف الشعوب غير الفارسية. وعليه، فإن التأجيل لا يعني التراجع، بل إدارة مرحلة ما قبل الصدمة، حيث يُرجَّح أن يكون التحول حادًا وسريعًا متى ما توافرت شروطه الإقليمية.



