تقارير
أخر الأخبار

تحليل خطاب الرئيس الإيراني… خطاب الخوف في طهران

لماذا الآن؟ الدلالات السياسية لتوقيت خطاب بزشكيان

لماذا الآن؟ الدلالات السياسية لتوقيت خطاب بزشكيان

إعداد: ناهض أحمد مولى

يحمل خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول الأحداث الاخيرة دلالات أعمق بكثير من مجرد رسالة تعاطف مع الضحايا. فالنص يعكس محاولة مدروسة لإعادة صياغة ما جرى داخل إيران من احتجاجات واسعة على أنه ملف أمني–سيادي لا أزمة داخلية سياسية. اللغة المستخدمة، والمصطلحات المختارة، وبنية الخطاب نفسها، تشير إلى انتقال واضح من توصيف “احتجاج” إلى توصيف “حرب داخلية مدفوعة من الخارج”. توقيت الخطاب لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل جاء في لحظة تقاطع حساسة بين ضغط داخلي غير مسبوق وضغط دولي متصاعد. داخليًا، تواجه السلطة حالة احتقان حاد بعد سقوط أعداد كبيرة من الضحايا واتساع رقعة الغضب الشعبي، ما فرض الحاجة إلى خطاب يخفف الصدمة النفسية ويمنح انطباعًا بأن الدولة “تشعر بالألم”، من دون تقديم أي تنازل سياسي فعلي. خارجيًا، تصاعدت الإدانات الدولية والتقارير الحقوقية والعقوبات، ما دفع طهران إلى إعادة صياغة ما جرى بوصفه “مؤامرة خارجية” لا أزمة داخلية. في هذا السياق، جاء الخطاب ليؤدي وظيفة مزدوجة: تهدئة الشارع عاطفيًا، وفي الوقت نفسه تهيئة الرأي العام لمرحلة أمنية أشد عبر تثبيت سردية أن البلاد تواجه حربًا غير مباشرة.

واستخدم الرئيس الإيراني اليوم  26 يناير تعبير “توطئه بدخواهان ایران” أي “مؤامرة أعداء إيران”، وهي عبارة تنقل المسؤولية من الداخل إلى الخارج. كذلك وصف المشهد بأنه “معرکه خون‌بار” أي “ساحة دامية”، ما يحوّل الاحتجاج من فعل مدني إلى ساحة صراع دموي. بهذا الإطار، لم تعد الأزمة نتيجة غضب شعبي أو خلل اقتصادي–سياسي، بل نتيجة عدوان خارجي غير مباشر. هذه الصياغة تخدم هدفين أساسيين: نزع الشرعية السياسية عن الاحتجاج، وتبرير المعالجة الأمنية بدل الإصلاح السياسي.

الخطاب مليء بمصطلحات أمنية، مثل “ناامن‌سازی” أي نشر الفوضى وانعدام الأمن، و“مزدور” أي عميل مأجور، و“دست‌های پلید” أي الأيادي الخبيثة. هذه المفردات لا تُستخدم في لغة سياسية مدنية، بل في خطاب أمني تعبوي، وتمهّد لتبرير الاعتقالات الواسعة تحت ذريعة “التمييز بين المحتج والمخرب”، وتحويل الملف إلى قضايا أمن دولة، وإعطاء غطاء شرعي لاستخدام القوة المفرطة.

في المقابل، حاول بزشكيان احتواء الغضب الشعبي باستخدام لغة عاطفية، إذ قال إنه “داغدار” أي مفجوع، وأكد أن “اعتراض حق طبیعی شهروندان” أي الاحتجاج حق طبيعي للمواطنين. غير أن هذا التعاطف بقي في الإطار العاطفي فقط، إذ لم يحمّل الأجهزة الأمنية أي مسؤولية، ولم يتحدث عن إصلاح سياسي، بل ربط المستقبل بـ “هدایت مقام معظم رهبری” أي توجيهات المرشد الأعلى. بذلك يظهر أن الهدف هو تهدئة الشارع نفسيًا، مع استمرار الإدارة الأمنية للأزمة دون تغيير جوهري.

الاتهام الصريح بـ “توطئه آمریکایی صهیونی” أي مؤامرة أمريكية صهيونية يخرج الملف من نطاق حقوق الإنسان إلى نطاق الصراع الجيوسياسي. هذه الصياغة تبرر أي تصعيد إيراني لاحق على أنه دفاعي، وتقنع الداخل بأن الضغوط الدولية ليست بسبب القمع بل بسبب “عداء استراتيجي”، كما تقلل من تأثير الانتقادات الحقوقية عبر تحويلها إلى مواجهة سيادية بين إيران وخصومها.

رغم تقديم بزشكيان كوجه إصلاحي، فإن خطابه يكشف حدود سلطته داخل النظام؛ فلا انتقاد للأجهزة، ولا مراجعة لقرارات القمع، ولا مبادرة سياسية مستقلة. هذا يدل على أن الخطاب صيغ ضمن الخطوط الحمراء للمؤسسة الأمنية والمرشد، حيث يؤدي الرئيس دور الواجهة المدنية لسياسة أمنية مقررة سلفًا.

في المحصلة، الخطاب لا يمثل مشروع مصالحة وطنية، بل عملية إعادة تعريف للأزمة، بحيث يُقال إن الألم موجود، لكن سببه العدو، والحل هو مزيد من الأمن تحت قيادة المرشد. هذه المقاربة تعني أن المرحلة القادمة مرشحة لاستمرار القبضة الأمنية، ومحاكمات موسعة تحت غطاء “مكافحة التخريب”، وتبرير أي تصعيد خارجي كامتداد لمعركة داخلية، مع غياب أي مسار سياسي جذري. هكذا يهدّئ الخطاب الشارع بالكلمات، لكنه يعيد تثبيت المعادلة الأمنية كأداة الحكم الأساسية.

المصدر: موقع وزارة الخارجية الإيرانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى