تقارير

كيف يُدار القرار في إيران وقت الأزمات؟ قراءة داخل مراكز القوة بين المرشد والحرس الثوري

إعداد: ناهض أحمد مولى

كيف يُدار القرار في إيران وقت الأزمات؟ قراءة داخل مراكز القوة بين المرشد والحرس الثوري

إعداد: ناهض أحمد مولى

يكشف تقرير تحليلي حديث عن البنية الداخلية للنظام الإيراني أن فهم سلوك طهران في أوقات التصعيد الإقليمي لا يمكن أن يتم من خلال تتبع تصريحات الحكومة وحدها، بل عبر قراءة شبكة معقدة من مراكز القوة التي تتداخل فيها القيادة الدينية مع المؤسسة العسكرية والأمنية. فآلية اتخاذ القرار في إيران، خصوصًا في القضايا الاستراتيجية، تخضع لهرم سلطوي تتصدره مؤسسة المرشد الأعلى، وتلعب فيه مؤسسات أخرى أدوارًا تنفيذية أو تنسيقية ضمن حدود مرسومة مسبقًا.

في قمة هذا الهرم يقف المرشد الأعلى بوصفه صاحب الكلمة الفصل في الملفات المصيرية، من السياسة الخارجية إلى القرارات العسكرية والبرنامج النووي. فصلاحياته لا تقتصر على الإشراف العام، بل تشمل المصادقة النهائية على التوجهات الكبرى للدولة، ما يجعل أي تحرك إيراني في لحظات التوتر انعكاسًا لرؤية مركزية تصدر من هذا الموقع تحديدًا. هذه المركزية تفسر درجة الانضباط المؤسسي داخل النظام، كما تفسر بطء التحولات الكبرى في السياسات الإيرانية، إذ لا يمكن لأي مؤسسة تجاوز الإطار الذي يحدده المرشد.

إلى جانب القيادة الدينية، يبرز الحرس الثوري كلاعب محوري يتجاوز دوره العسكري التقليدي. فهذه المؤسسة تمسك بخيوط مؤثرة في الأمن القومي، والبرنامج الصاروخي، والعلاقات مع القوى الحليفة في الإقليم، إضافة إلى نفوذ اقتصادي واسع داخل البلاد. هذا الموقع يجعل الحرس شريكًا فعليًا في صياغة القرار الاستراتيجي، لا مجرد منفذ له. وعند الحديث عن الردع أو التصعيد، فإن تقديرات الحرس ومصالحه المؤسسية تدخل مباشرة في معادلة القرار، خاصة في ما يتعلق بالملفات الأمنية والعسكرية الحساسة.

في المقابل، تبدو صلاحيات الرئيس والحكومة التنفيذية أكثر محدودية في القضايا السيادية. فبينما تتولى الحكومة إدارة الاقتصاد والخدمات والعلاقات الدولية ذات الطابع الدبلوماسي اليومي، فإن القضايا المرتبطة بالأمن القومي أو المواجهات العسكرية تبقى خارج نطاق القرار التنفيذي المباشر. حتى محاولات الرؤساء تحسين العلاقات الخارجية أو تخفيف حدة التوتر تصطدم بسقف مرسوم من قبل القيادة العليا، ما يجعل دور الحكومة في الأزمات الكبرى أقرب إلى إدارة التداعيات منه إلى صناعة القرار الأساسي.

يعمل مجلس الأمن القومي الأعلى كمنصة تنسيق تجمع ممثلين عن المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية. هذا المجلس يناقش السيناريوهات المحتملة ويبلور التوصيات، لكنه لا يحل محل المرشد، بل يرفع إليه خلاصاته. بهذه الطريقة، يشكل المجلس آلية مؤسسية لتوحيد الرؤى داخل النظام وتقليل التباينات، مع بقاء القرار النهائي في يد القيادة العليا. هذا النموذج يسمح بإدارة الخلافات داخل إطار مغلق، ويمنح النظام قدرة على بلورة مواقف متماسكة في مواجهة الضغوط الخارجية.

في أوقات التوتر، لا تُتخذ القرارات الإيرانية كردود فعل آنية، بل كنتيجة لتقدير تراكمي تشارك فيه مستويات متعددة من السلطة. هذا يعني أن أي تصعيد أو تهدئة يكون محصلة حسابات تتعلق بالكلفة العسكرية، والتداعيات الاقتصادية، والتوازنات الداخلية. من هنا، يرى التقرير أن صمود النظام لا يعتمد فقط على قدراته العسكرية، بل على بنيته المؤسسية التي توزّع الأدوار وتمنع الانفلات في لحظات الضغط.

توضح هذه القراءة أن التعامل الدولي مع إيران لا يمكن أن يركّز على الحكومة وحدها، لأن مركز الثقل الحقيقي في مكان آخر. كما أن أي رهان على تغير سريع في السلوك الإيراني يصطدم بواقع أن آليات صنع القرار تمر عبر قنوات معقدة ومحكومة بتوازنات دقيقة. هذا الترابط بين المؤسسات يمنح النظام قدرة على امتصاص الضغوط، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي تحول جذري في السياسات مرتبطًا بتغيرات داخلية عميقة، لا بقرارات تنفيذية عابرة.

المصدر: رويترز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى