المقالات

هل يدعم الاتحاد الأوروبي نجل الشاه لموازنة إدارة ترامب في إيران؟

بقلم: ناهض أحمد مولى

هل يدعم الاتحاد الأوروبي نجل الشاه لموازنة إدارة ترامب في إيران؟

بقلم: ناهض أحمد مولى

تاريخيًا، ساهمت ألمانيا بشكل كبير في بناء الدولة الإيرانية الحديثة، ولا سيما في ترسيخ ارتباطها بمفهوم العِرق الآري. واستمر دعمها للشاه الأول رضا شاه حتى إطاحته خلال الحرب العالمية الثانية على يد الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. كما لعبت فرنسا دورًا بارزًا في إسقاط الشاه الثاني محمد رضا بهلوي، واحتضان الخميني قبيل عودته إلى طهران عام 1979. واستمرت العلاقات الإيرانية – الأوروبية بصيغتها المتميزة حتى تُوِّجت بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015. وقد مارست الإدارة الأمريكية ضغوطًا كبيرة على الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، ولم تقتنع فرنسا بذلك إلا بعد ضغوط مكثفة من إدارة ترامب. كما احتفلت شخصيات رسمية وغير رسمية في السفارة الإيرانية مؤخرًا بذكرى الثورة الإيرانية لعام 1979.

كل هذه المعطيات تدعم فرضية مفادها أن أوروبا تريد أن تقول لواشنطن: أي تغيير في إيران يجب أن يأخذ المصالح الأوروبية في الاعتبار.

لكن السؤال الاستراتيجي الأعمق هو: هل تستخدم أوروبا ورقة نجل الشاه للضغط على طهران أم لموازنة واشنطن؟

لفهم ذلك، ينبغي النظر إلى البعد الاقتصادي الألماني تحديدًا. فقبل العقوبات المشددة، كانت الشركات الألمانية من أكبر المستفيدين من السوق الإيراني، خصوصًا في مجالات الصناعة الثقيلة، والآلات، والطاقة، والبتروكيماويات. إيران بالنسبة لألمانيا ليست مجرد ملف سياسي، بل سوق صناعي تقليدي وعمق اقتصادي في الشرق. كما أن استقرار إيران يعني استقرار تدفقات الطاقة والأسواق المحيطة بها، وهو ما ينعكس مباشرة على المصالح الأوروبية.

إلى جانب الاقتصاد، هناك هاجس أمني–اجتماعي لا يقل أهمية: موجات اللجوء. أوروبا عانت سياسيًا واجتماعيًا من تداعيات موجة اللجوء السوري. انهيار مفاجئ في إيران، التي يتجاوز عدد سكانها 80 مليونًا، قد يفتح باب هجرة ضخمة نحو تركيا ثم أوروبا. هذا السيناريو وحده كفيل بجعل العواصم الأوروبية حذرة من أي تغيير غير منضبط في طهران.

ثمة بعد جيوسياسي أكثر حساسية: إذا تمكنت الولايات المتحدة من فرض سيطرة استراتيجية على إيران أو إعادة تشكيل نظامها بالكامل ضمن نفوذ أمريكي مباشر، فإن ذلك يعني عمليًا قطع أحد أهم مسارات “طريق الحرير” الصيني الذي يصل أوروبا عبر آسيا الوسطى وإيران. بهذا المعنى، تصبح إيران عقدة جيوسياسية بين واشنطن وبكين، وأي سيطرة أمريكية كاملة عليها قد تطوق أوروبا من جهتها الشرقية وتغلق نافذة استراتيجية أمام الصين داخل القارة الأوروبية. من هنا، قد ترى بعض العواصم الأوروبية أن الحفاظ على قدر من الاستقلال الإيراني – ولو عبر بديل غير معادٍ لأوروبا – يخدم توازنها الاستراتيجي.

في هذا السياق، يبرز نجل الشاه كورقة محتملة. حتى الآن، يبدو أن دعمه أوروبيًا يتم على المستوى الإعلامي والسياسي، وربما – خلف الكواليس – بدعم غير معلن. هذا لا يعني تبنيًا رسميًا، لكنه يشير إلى إبقاء خيار “الملكية المعدلة” أو “الانتقال المنضبط” مطروحًا كورقة ضغط مزدوجة: رسالة إلى طهران بأن أوروبا لديها بدائل، ورسالة إلى واشنطن بأن أي ترتيبات انتقالية لا يمكن أن تتم دون التنسيق مع العواصم الأوروبية.

كما لا يمكن إغفال المنافسة الأوروبية–الأمريكية في الخليج. المنطقة ليست فقط ساحة أمنية، بل سوق صفقات طاقة ضخمة وممرات تجارة استراتيجية. التنافس على عقود الغاز والنفط، ومشاريع الطاقة المتجددة، والبنية التحتية المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية، يعكس سباقًا صامتًا بين ضفتي الأطلسي. إيران، بحكم موقعها الجغرافي بين الخليج وبحر قزوين وآسيا الوسطى، تمثل عقدة رئيسية في شبكة الممرات التجارية، وأي إعادة تشكيل لنظامها ستؤثر مباشرة على خرائط التجارة الدولية.

في النهاية، المسألة ليست بين “ملالي” و”ملكية”، بل بين نفوذ أوروبي ونفوذ أمريكي في واحدة من أهم العقد الجيوسياسية في العالم. إيران بالنسبة لأوروبا ليست فقط دولة في الشرق الأوسط، بل محورًا اقتصاديًا وأمنيًا وجسرًا جيوسياسيًا. ومن هنا، قد تكون ورقة نجل الشاه أداة ضغط، وأداة موازنة في آن واحد، ضمن لعبة أكبر عنوانها: من يحدد شكل إيران القادمة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى