سقوط مروحية أصفهان: عندما تكشف الحوادث الجوية حدود البنية العسكرية المزدوجة في إيران
أحوازنا - ناهض احمد مولى

سقوط مروحية أصفهان: عندما تكشف الحوادث الجوية حدود البنية العسكرية المزدوجة في إيران
أحوازنا – ناهض احمد مولى
لا يمكن التعامل مع سقوط المروحية التابعة للجيش الإيراني فوق سوق في إقليم أصفهان بوصفه حادثًا تقنيًا معزولًا. فالحادث الذي أسفر عن مقتل العقيد الطيار المدرّب حامد سروآزاد، والنقيب مجتبى كياني، إضافة إلى مدنيين اثنين، يأتي في سياق أكثر تعقيدًا من مجرد خلل فني، ويستدعي قراءة أعمق في طبيعة البنية العسكرية والسياسية للنظام الإيراني.
الرواية الرسمية اكتفت بالإعلان عن فتح تحقيق دون تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة المهمة أو الأسباب الأولية للسقوط. غير أن تزامن الحادث مع واقعة تحطم مقاتلة من طراز F-4E في همدان، وسط تضارب في الروايات بشأن احتمال تعرضها لنيران دفاع جوي تابع للحرس الثوري، يسلّط الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بمنظومة القيادة والسيطرة داخل الدولة.
الجيش النظامي الإيراني (أرتش) يمثل المؤسسة العسكرية التقليدية ذات الطابع الاحترافي، بينما يتمتع الحرس الثوري ببنية موازية ذات نفوذ عسكري واقتصادي وإعلامي وسياسي واسع. وعلى مدى عقود، لم يكن الحرس مجرد تشكيل عسكري، بل تحول إلى مركز قوة مستقل يمتلك قدرات صاروخية ودفاعًا جويًا ومنظومات استخباراتية خاصة به، إضافة إلى إمبراطورية اقتصادية وإعلامية مؤثرة في صناعة القرار.
هذا التوازي البنيوي خلق ما يمكن وصفه بـ«ازدواجية السلاح وازدواجية القرار». ففي بيئة عملياتية حساسة، حيث تتقاطع مهام الجيش مع قدرات الحرس الثوري، يصبح التنسيق ليس مسألة إدارية فحسب، بل عنصرًا حاسمًا في السلامة والجاهزية. وإذا صحت الروايات غير الرسمية بشأن إصابة المقاتلة بنيران صديقة، فإن ذلك يكشف خللًا محتملًا في إدارة المجال الجوي وتوزيع الصلاحيات، وليس مجرد حادث عرضي.
في الآونة الأخيرة، برزت داخل بعض الأوساط الإيرانية دعوات لإعادة النظر في هذه البنية المزدوجة، بل طُرحت فكرة دمج الحرس الثوري في الجيش النظامي أو تقليص استقلاليته. ورغم أن هذه الطروحات لا تزال محدودة ولا تعكس توجّهًا رسميًا، فإن مجرد تداولها يعكس إدراكًا داخليًا لكلفة التداخل المؤسسي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الممتدة التي تفرض إعادة ترتيب للأولويات.
لا شك أن قطاع الطيران العسكري الإيراني يواجه تحديات مزمنة تتعلق بتقادم الأسطول وصعوبات الصيانة وتأمين قطع الغيار، غير أن الاقتصار على التفسير التقني قد يحجب البعد المؤسسي. فحين تتقاطع مشكلات الجاهزية مع تعدد المرجعيات العسكرية، تصبح احتمالية الخطأ أعلى، ويصبح الحادث مؤشرًا على خلل في منظومة القرار أكثر منه عطلًا ميكانيكيًا صرفًا.
البعد الأهم يتجاوز الداخل الإيراني. فصورة الردع العسكري لأي دولة لا تُبنى فقط على امتلاك الصواريخ والطائرات، بل على كفاءة إدارتها وتماسك بنيتها القيادية. تكرار الحوادث الجوية في فترة زمنية قصيرة، خاصة إذا ارتبطت بإشكاليات تنسيق، ينعكس بالضرورة على صورة الجاهزية العملياتية في نظر الخصوم والحلفاء على حد سواء.
وعليه، فإن سقوط مروحية أصفهان لا ينبغي أن يُقرأ كحادث منفصل، بل كجزء من معادلة أوسع تختبر مدى قدرة النظام الإيراني على إدارة ازدواجيته العسكرية في مرحلة إقليمية حساسة. استمرار هذا النمط من الحوادث يطرح سؤالًا جوهريًا حول كلفة البنية الموازية داخل الدولة، وما إذا كانت ازدواجية القوة تمنح تفوقًا إضافيًا أم تخلق قابلية أعلى للخطأ في لحظات تتطلب مركزية قرار وانضباطًا عملياتيًا صارمًا.



