مستقبل المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا: لماذا يُرجح سيناريو التعثر؟
إعداد: ناهض أحمد مولى

مستقبل المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا: لماذا يُرجح سيناريو التعثر؟
إعداد: ناهض أحمد مولى
في ظل تسارع الحديث عن تفاهم نووي محدود بين طهران وواشنطن، لا يُقرأ الملف داخل إيران من زاوية تقنية بحتة، بل ضمن معادلة أوسع تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. التجربة السابقة مع الاتفاق النووي، وما تبعها من انسحاب أمريكي وإعادة فرض العقوبات، جعلت مؤسسات النظام تتعامل مع أي مسار تفاوضي جديد بمنطق “اختبار الضمانات قبل اختبار النوايا”. فالمعيار الحقيقي لأي اتفاق لا يكمن في نصوصه فقط، بل في قدرته على الصمود سياسيًا، وتأمين أثر اقتصادي ملموس، ومنع تكرار دورة الانسحاب والعقوبات.
أولًا: التخوف السياسي – اتفاق مرحلي في ظل مناخ انتخابي أمريكي
يرتبط أحد أبرز مصادر القلق الإيراني بتوقيت المفاوضات. فالتسارع في محاولة إنجاز تفاهم خلال فترة محدودة يثير تساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق يعكس تحولًا استراتيجيًا أمريكيًا، أم أنه خطوة تكتيكية مرتبطة باستحقاقات داخلية في واشنطن. من منظور طهران، الاتفاق الذي يُنجز تحت ضغط الحسابات الانتخابية قد يكون هشًّا أمام تغير التوازنات السياسية، وهو ما يجعل مسألة الاستمرارية السياسية عنصرًا حاسمًا في التقييم الإيراني.
ثانيًا: التخوف الاستراتيجي – تقليص أوراق الضغط النووية دون مقابل مستدام
خلال السنوات الماضية، راكمت إيران مستويات تخصيب مرتفعة تحولت إلى أداة ضغط تفاوضية. العودة إلى سقف تخصيب منخفض، ومعالجة مخزون 60 في المئة، تعني تقليص هذه الورقة. في الحسابات الإيرانية، أي تقليص في الهامش النووي يجب أن يقابله رفع عقوبات فعّال ومستدام. فالبرنامج النووي ليس مجرد مشروع تقني، بل عنصر توازن في بيئة إقليمية حساسة وأداة تفاوضية في مواجهة الضغوط الدولية.
ثالثًا: التخوف الرقابي – توسيع التفتيش وتقليص الغموض الاستراتيجي
توسيع نطاق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعني تقليص مساحة الغموض التي تشكل جزءًا من معادلة الردع غير المباشر. كلما اتسعت آليات التفتيش، ازدادت قدرة المجتمع الدولي على مراقبة التفاصيل التقنية، وهو ما يحدّ من مرونة الاستخدام السياسي للبرنامج النووي.
رابعًا: التخوف الاقتصادي – جوهر المعادلة ومفتاح القرار
قبل إعادة فرض العقوبات عام 2018، كانت صادرات النفط الإيرانية تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميًا، ثم تراجعت في فترات لاحقة إلى ما دون مليون برميل يوميًا. كما شهدت العملة الإيرانية تراجعًا حادًا، وارتفعت معدلات التضخم إلى ما يفوق 40% في بعض السنوات، إضافة إلى تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية في الخارج. هذه المؤشرات تعكس عمق الأثر الاقتصادي للعقوبات. لذلك فإن أي اتفاق لا يضمن وصولًا فعليًا للنظام المصرفي الدولي واستقرارًا في تدفقات العوائد النفطية سيُعدّ محدود الجدوى داخليًا.
خامسًا: البعد الإقليمي – أمن الخليج العربي وتدفقات الطاقة
أي تفاهم نووي سينعكس مباشرة على أمن الخليج العربي والممرات البحرية الحيوية. اتفاق مستقر قد يخفف من منسوب التوتر ويعزز استقرار أسواق الطاقة، بينما قد يؤدي تعثر المفاوضات إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر منخفض الحدة مع احتمالات تصعيد موضعي يؤثر على تدفقات النفط.
سادسًا: موقع الصين وروسيا – توازنات النفوذ داخل النظام الإيراني
الاعتبارات الاستراتيجية لا تنفصل عن موازين القوى داخل إيران نفسها. فالحرس الثوري، الذي يهيمن على مفاصل سياسية واقتصادية وعسكرية واسعة، يمثل الفاعل الأكثر تأثيرًا في تحديد سقف التفاوض. في حال استمرار رفضه للشروط الأمريكية، فإن هامش المناورة أمام التيارات البراغماتية داخل النظام قد يبقى محدودًا. كما أن علاقات إيران المتنامية مع الصين وروسيا تمنح بعض دوائر القرار قناعة بإمكانية الصمود دون تقديم تنازلات جوهرية.
سابعًا: التخوف القانوني – الضمانات وآليات منع إعادة فرض العقوبات
صياغة الاتفاق وآليات التنفيذ تظل عنصرًا حاسمًا. أي نص يفتقر إلى ضمانات واضحة أو آلية ملزمة لمنع إعادة فرض العقوبات سيُنظر إليه كاتفاق قابل للانهيار عند أول تغير سياسي في واشنطن.
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن سيناريو تعثر المفاوضات هو الأكثر ترجيحًا، بنسبة تقديرية تقارب 45%، خاصة إذا استمر التشدد داخل مراكز القوة المؤثرة في طهران. السيناريو الثاني، بنسبة تقارب 35%، يتمثل في تفاهم محدود يهدف إلى إدارة التوتر دون حله جذريًا، مع تخفيف نسبي للضغوط الاقتصادية. أما السيناريو الثالث، بنسبة تقارب 20%، فيقوم على اتفاق أوسع نطاقًا يعيد بناء قدر من الثقة ويؤدي إلى تهدئة إقليمية أعمق، وهو احتمال يتطلب تحولات سياسية متزامنة في الجانبين.
وعليه، فإن المسار المرجح في المدى القريب قد يتجه نحو استمرار حالة الشد والجذب، مع تفاهمات جزئية أو مؤقتة، دون اختراق استراتيجي شامل، في ظل توازنات داخلية معقدة داخل إيران وحسابات سياسية دقيقة في واشنطن.



