المقالات

من الشاهنشاه إلى الولي الفقيه: الشعوبيون في ثوبَيْ الشيوعية والإسلام السياسي وكشف زيف خطاب الأحوازيين المختبئين بيننا!!

بقلم : عادل السويدي

لقد استشرف الشاعر العراقي بدر شاكر السياب زيف شعارات الشيوعيين في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، حين كانت الشيوعية في أوج صعودها ودعايتها، خصوصا في العراق وإيران. فقد جذبت أفكارها آنذاك، شرائح واسعة من الشباب، وكانت تحظى بسمعة “مثالية” توحي بالعدالة والتحرر. وكان حزب توده الإيراني على وجه الخصوص، يتمتع بسمعة مرموقة في أوساط المثقفين والعمال، حتى خارج إيران[1].

مدفوعا بهذا الوهج الإيديولوجي، قرر السياب السفر إلى إيران للقاء مسؤولي الحزب، أو بعض ممثلي الأحزاب الشيوعية القريبة جغرافيا من البصرة. وكانت مدينتا المحمّرة وعبادان الاحوازيتين معروفتين بالحراك السياسي والحزبي، حيث يختلط ويتنافس التيار القومي العربي مع التيار الشيوعي، وكان التنافس بينهما واضحا في الشارع العربي[2].

سافر السياب من محل إقامته في البصرة إلى مدينة عبادان المقابلة للبصرة عبر شط العرب، وبقي فيها أكثر من أسبوع، جال خلاله بين أحياء العرب والفرس، وراقب عن كثب الواقع المعيشي والاجتماعي هناك. فهاله ما رآه: تمييز عنصري صارخ بين العرب الفقراء والمهمشين، وبين المستوطنين الفرس الذين يعيشون في مناطق معزولة، تفصلهم مظاهر الرفاهية: الملبس، والسيارات، والطعام، وحتى طريقة التعامل.

الأدهى من ذلك أن هذه الصورة القاتمة كانت غائبة تماما عن الكراسات الدعائية التي يصدرها حزب توده عن الاشتراكية ومجتمع لا طبقي ويا عمال العالم اتحدوا، والتي كانت تُطبع وتُوزّع على نطاق واسع، وبثلاث لغات: الفارسية، والإنجليزية، والعربية. لقد اكتشف السياب التناقضات الفاضحة بين الشعار والممارسة، بين الحديث عن العدالة، وواقع التمييز القومي والعنصري الممنهج ضد عرب الأحواز[3].

وبعد جلسات مطولة مع بعض الشيوعيين الفرس في المحمرة، ازداد يقين السياب بخواء تلك الشعارات، وعبّر لاحقا عن قناعته هذه بمقالة شهيرة أعلن فيها كفره وبراءته من الشيوعية، بعنوان بالغ الدلالة:
الشيوعيون هم الشعوبيون.[4]

اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على حكم الملالي، تتكرر المشهدية ذاتها، وإن تغيّرت الشعارات. فالخمينية، منذ 1979م، رفعت رايتي الإسلام وتحرير فلسطين، لكنها في الجوهر أعادت إنتاج ذات الشعوبية الفارسية، هذه المرة برداء ديني ومذهبي[5].

والضحايا الأوائل، كما في الماضي، كانوا العراقيين والعرب المتطلعين لما يأتي من ((إيران الثورة)) فخُدعوا بالدعاية الخمينية كما خُدع جيل السياب بدعاية حزب توده. وبينما تكشف العقود الأخيرة زيف تلك الادعاءات، تتكسر اليوم شعارات ((نصرة الإسلام))و((تحرير فلسطين)) على صخرة [الحقيقة الأحوازية الصلبة]، لتفضح المشروع الفارسي المتستر بلبوس الدين[6].

ورجوعا إلى ما كتبه الأستاذ كاظم مجدم يوم أمس الخميس 2025/07/17 في مقاله الفاضح عن ظاهرة “المهوسچي” الشويعر، والذي عنونها بـ(شاعر “النفطح”: موسى الجرفي يصطف مع نظام الملالي) …ذاك الخليط المشوّه من الشعارات: شيوعي تارة، وإسلامي تارة اخرى، وقومي تارات اخرى وحسب فصول المصلحة، والذي تكشف عجزه وخداعه حين اصطدم بجدار الواقع، وسقط سقوطا مدوّيا في ساحة الخواء الطائفي والفارسي الذي يهيمن على القطر الأحوازي وشعبنا العربي المكبّل بفعل قبضة منظومة الأمن التابعة لنظام ولاية الفقيه، يمكن أن نعيد قراءة هذه السقطة من زاوية مشابهة لتجربة بدر شاكر السياب مع الشعوبية. لقد فضح السياب تلك النزعة المقنعة التي تخترق الأوساط الثقافية قبل أكثر من 60 عاما باسم “الأممية” و”التحرر”، لتُخفي تحتها عنصرية فارسية فاشية تسعى لطمس هوية العرب، وهو ما أعاد إنتاجه هذا الشويعر المفضوح بنسخته المعاصرة.

ففي لحظة الاختبار، لحظة الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة التي استمرت اثني عشر يوما، لم يصمد خطاب أولئك المدعين والمخادعين أمام الحقيقة، بل انكشف تحالفهم الضمني مع نظام الملالي أكثر من اي وقت مضى، تحت ذريعة ((الوحدة ضد العدو الصهيوني))!. هذه الذريعة ذاتها التي استخدمها النظام منذ عقود لتبرير قمع العرب، وللتهرب من أي مساءلة داخلية. وقد تبنى هؤلاء الخطاب نفسه، متحدين مع خامنئي المجرم في لهجة التخوين والتضليل، لا ضد الاحتلال، بل ضد الأحوازيين أنفسهم، اي ضد شعبنا العربي الذي ما زال يقدم التضحيات في سبيل حريته.

سقط القناع عن هؤلاء، وتحول “الشيوعي” إلى (مُلاية) لتمجيد الملالي، يهتف لهم كأنه في حسينية كيان، لا في ميدان كفاح الذي رفعوا شعاره. لقد أعادوا تكرار الدور نفسه الذي حاربه السياب حين أدرك أن كثيرا من الشعارات التقدمية كانت، في سياقها العراقي والإقليمي، مجرد أدوات لترويج مشروع الهيمنة الفارسية الجديدة المغلّفة بقشرة أيديولوجية (إسلامية وتحرير فلسطين) الكاذبة. هؤلاء لا يقاتلون من أجل الحرية، بل يبيعونها باسم التضامن، ويتحوّلون من شعراء إلى بوق أمنيّ، ومن مناضلين إلى خدَم للعصابة ذاتها التي هجّرت واعتقلت واغتالت ودفنت الأحياء من أبناء شعبنا العربي الأحوازي

وإن لم نجانب الحقيقة، فإن خلاصة هذه التجربة المريرة قد تُختصر بعنوان مستلهم من السياب ذاته:

الخمينيون هم الشعوبيون.

الهوامش والمصادر:

[1]: حزب توده الإيراني تأسس عام 1941 بدعم غير مباشر من الاتحاد السوفيتي، ولعب دورًا بارزًا في السياسة الإيرانية إلى أن تم قمعه في خمسينيات القرن الماضي بعد انقلاب 1953 على محمد مصدق. (راجع: Ervand Abrahamian, Iran Between Two Revolutions)

[2]: المحمرة وعبادان كانتا منذ بدايات القرن العشرين مركزين لحراك قومي عربي واسع، خاصة مع قربهما من البصرة، وتعرض العرب فيهما لتمييز قومي منذ حكم رضا شاه بهلوي، وازداد التمييز في عهد ابنه محمد رضا شاه.

[3]: تقارير حقوقية من منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” وثّقت نمطًا ممنهجًا من التمييز ضد عرب الأحواز، خاصة بعد الثورة الإيرانية 1979، في مجالات التعليم، واللغة، والتنمية الاقتصادية.

[4]: نشرت مقالة السياب “الشيوعيون هم الشعوبيون” عام 1955 تقريبًا، بعد تحوله الفكري الواضح، وهي متاحة ضمن مجموعة مقالاته النقدية، وقد لاقت صدى واسعًا في الأوساط الثقافية العراقية.

[5]: رفع الخميني منذ وصوله للحكم شعار “نصرة المستضعفين” وتحرير فلسطين، لكنه سرعان ما أقام تحالفات مذهبية ضيقة، وبدأ التدخل في شؤون دول الجوار عبر أذرع عسكرية ومذهبية. (راجع: Ray Takeyh, Guardians of the Revolution)

[6]: القضية الأحوازية، وهي قضية شعب عربي واقع تحت السيطرة الإيرانية منذ 1925، عادت للواجهة في العقود الأخيرة مع تنامي الوعي العربي والانكشاف الكامل لتناقضات النظام الإيراني، خصوصا مع انتفاضات العرب في الداخل الإيراني (مثل انتفاضة 2005 و2021).

2025 – 07 – 18

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى