المقالات

الأحواز.. أين ذهب سواد الساحة؟

الكاتب: نوري حمزة

غاب العديد من النشطاء الأحوازيين من المشهد، خلال هذه الفترة، أي أثناء وبعيد اندلاع الحرب بين ايران واسرائيل، الأمر الذي يتطلب بحث علمي دقيق.

‏كان العديد من هؤلاء لا يرضون بأحواز غير مستقلة! ومنهم من كان يتغنى بالفدرالية ليل نهار، والبعض منهم كان ولازال متخفي ايضا وينشط بخجل وبصوت خافت، أو يريد أن يكون متواجد وفاعل بين الأحوازيين، وغائب من المشهد الحقيقي.

‏كما هناك عدد كبير من هكذا أفراد لخصوا كل القضية بحصولهم على فرصة عمل مثلا في وسيلة إعلامية، وظلوا يعيشوا في الظل بعيدا عن أي ظروف سياسية قد تدفعهم إلى ساحة المعترك مع نظام إيران.

‏ومن بينهم من يخرج على الإعلام متبني رواية نظام الملالي من الوضع الجيوسياسي المتأزم، ومنهم من ظهر بلا خجل يرتدي ربطة عنق سوداء تعبيرا عن حزنه، حين الإعلان عن مقتل قيادات الحرس الثوري، الذي قتل شباب الأحواز، ونهب وسرق كل خيرات الوطن. ومنهم من يسمي علي شمخاني الذي قاد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لعقد من الزمن وجفّف انهار الأحواز وساهم في تغيير التركيبة السكانية لصالح غير العرب، وأعدم العديد من الشباب الاحوازي، وتحاكم في عهده الكثير من السياسيين الأحوازيين على أسلوب محاكم التفتيش يسمي علي شمخاني بـ “الشهيد الحي”.

‏تخلي الأفراد عن مسؤولياتهم تجاه شعبهم أثناء الحروب أو الأزمات ظاهرة معقدة تستحق التأمل من زوايا نفسية واجتماعية. في حالة الأحوازيين الذين عارضوا النظام الإيراني ثم اختفوا أو تراجعوا عند تلقي النظام ضربات قاسية من قبل اسرائيل يمكن فهمها كتفاعل وسلوك بين الخوف، والانتهازية، والضغوط السياسية، والعمالة، وضياع البوصلة.

‏نفسيًا، يدفع الخوف الأفراد إلى الهروب أو التخفي كاستجابة طبيعية لتهديد الحياة أو البحث عن الأمان، حيث الحرب تخلق بيئة من الرعب، ويمكن أن يلجأ الفرد إلى الإنكار، متجاهلاً مسؤولياته، أو يختار الهروب بدلاً من المواجهة، خاصة إذا شعر بضعف قدرته على التأثير. كما أن قلة المرونة النفسية تجعل تحمل الضغوط صعبًا، فيتخلى البعض عن النضال عندما تبدو النتائج بعيدة التحقيق في منظور زمني محدد.

‏في هذا السياق يعزز القمع الإيراني الشديد في داخل البلاد، هذا الخوف، إذ يواجه النشطاء مخاطر الاعتقال أو التعذيب، مما يدفعهم للابتعاد، وفي هكذا ظروف لدى الناشط في الداخل لحد كبير يبدو الأمر مقبول كصيغة سياسية مفهومة.

‏ولكن في خارج البلاد نرى أن يحاول الناشط في وقت الفراغ والسكينة السياسية، يحاول أن يتخفى حين تشتد المعركة، ويعد النشاط بلغة الأرقام حيث يرى ان النشاط السياسي في هكذا فترة يكلفه تكلفة، يراها لا تستحق الدفع، ما يعكس باطنه الرخي وضعف إيمانه بقضيته، وأبعد من ذلك يثير سلوك هكذا أفراد، يثير القلق والشكوك.

‏واجتماعيًا، الانتهازية تبرز كدافع لتخلي البعض عن القضية، حيث عندما يفقد الأفراد الثقة في نجاح النضال، وتبتعد مطامعهم ومآربهم الضيقة، خاصة مع تعقيد الصراع، قد يتحولون إلى السعي وراء مصالحهم الشخصية عبر وسائل أخرى . كما أن الضغوط العائلية قد تدفع البعض للابتعاد عن النشاط السياسي حفاظًا على السلامة. بعضهم قد يرى في التخلي عن المعارضة فرصة لتحسين ظروفهم، سواء بالهروب أو حتى يسيرون عكس ماضيهم بالتقرب من النظام لكسب امتيازات أو مساحة من الأمان.

‏أما التعاون مع النظام، فقد يكون نتيجة إكراه أو اختيار. النظام الإيراني يستخدم أساليب قمعية كالتهديد لإجبار الأفراد على العمالة. آخرون قد يختارون التعاون طمعًا في مكاسب مادية أو اجتماعية، خاصة إذا شعروا بيأس من التغيير.

‏الأحوازيون، كمجتمع مهمش من قبل الدولة الإيرانية، يواجهون صراعات هوياتية قد تدفع البعض للاندماج في الامر الواقع كوسيلة للبقاء أو تجنب الخسائر . ومن جهة أخرى الدعاية الإيرانية مثل مقارعة الإمبريالية، والدفاع عن فلسطين أيضًا تلعب دورًا في جذب البعض عبر تعزيز الولاء، أو الحياد في بعض الأحيان.

‏في النهاية، هذا السلوك يعكس تعقيد الظروف التي يعيشها الأحوازيين تحت التهميش والقمع. الخوف يحرك الهروب، والانتهازية تدفع للمصلحة الشخصية، والعمالة قد تكون إجبارية أو اختيارية.

‏فهم هذه الظاهرة يتطلب النظر إلى السياقات النفسية والاجتماعية بعين موضوعية، مع مراعاة التحديات القاسية، والعاطفية السياسية التي تواجه الأفراد في أوقات الصراع.

‏في الوضع الراهن من حق النشطاء الحقيقيين أن يتسائلوا أين ذهب سواد الساحة؟ ومتى يريد الناشط الحقيقي أن يعي المخاطر التي تحيط به وكيف يمكن أن يتخلص منها ؟

‏⁧

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى