
عراقجي: إيران بين دبلوماسية مشروطة واحتمال المواجهة العسكرية
إعداد: ناهض أحمد مولى
تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم تعكس تحوّل الخطاب الرسمي في طهران من منطق المناورة الدبلوماسية إلى خطاب صريح يقوم على تثبيت “الخطوط الحمراء” ورفع سقف الردع في آن واحد. الرجل كان واضحًا حين قال إن “التخصيب غير قابل للتفاوض”، مؤكدًا أن إيران “لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم تحت أي ظرف، حتى في حال الحرب”. هذا الموقف يعيد تثبيت جوهر الأزمة، إذ إن جوهر الخلاف مع الغرب يتمحور أصلًا حول مستوى التخصيب وحدوده وآلياته الرقابية.
عراقجي أضاف أن “التراجع تحت الضغط استسلام”، في إشارة مباشرة إلى أن طهران ترى في العقوبات والتحركات العسكرية الأميركية أدوات إكراه لا يمكن الاستجابة لها دون كلفة سياسية داخلية كبيرة. وفي هذا السياق، عبّر عن “شكوك إيران في نوايا واشنطن بسبب استمرار العقوبات والتحركات العسكرية”، مع الإشارة إلى أن عُمان قد تستضيف جولة جديدة من المحادثات “إذا توفرت الظروف المناسبة”. هذا يعني أن طهران لا تغلق باب التفاوض، لكنها تحاول إعادة تعريف شروطه وسقفه.
في ملف الصواريخ، جاء الموقف أكثر حدّة، إذ شدد عراقجي على أن “برنامج الصواريخ الباليستية خارج أي نقاش، الآن أو في المستقبل”. هذا التصريح يوجّه رسالة مزدوجة: للغرب بأن طهران لن تقبل توسيع جدول الأعمال، وللداخل الإيراني بأن عناصر القوة العسكرية غير قابلة للمساومة. كما رفض مشاركة قائد القيادة المركزية الأميركية في أي مسار تفاوضي، معتبرًا ذلك “غير مقبول”، في إشارة إلى حساسية طهران من تحويل المسار الدبلوماسي إلى منصة ضغط عسكري مباشر.
الأهم ربما كان قوله إن إيران “مستعدة للدبلوماسية أو للحرب، وتعمل على أساس أن المفاوضات قد تفشل”. هذه العبارة تكشف عقلية إدارة المخاطر في طهران: التفاوض مستمر، لكن التخطيط يتم على قاعدة أسوأ السيناريوهات، حيث يجري تعزيز الجاهزية العسكرية وتوسيع هامش الرد الإقليمي بالتوازي مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
في الخاتمة، يبرز السؤال الجوهري: ما جدوى استمرار الدبلوماسية إذا كانت طهران ترفض التنازل في الملفات التي تعتبرها واشنطن أساسية؟ هناك من يرى أن إيران تستخدم الوقت لإعادة ترتيب أوراقها وتثبيت قدراتها النووية والعسكرية، وأن الخيارات المتبقية قد تضيق بين تشديد الحصار على صادراتها النفطية أو اللجوء إلى ضربات عسكرية تستهدف البنية التحتية النووية والصاروخية. لكن هذه الخيارات لا تعني نهاية الأزمة بقدر ما قد تفتح مرحلة أكثر خطورة، حيث يمكن أن ترد طهران عبر أدواتها الإقليمية أو من خلال تهديد الممرات البحرية الحيوية، ما يوسّع نطاق المواجهة جغرافيًا.
في المقابل، استمرار المسار الدبلوماسي — رغم ضيق فرصه — يوفّر إطارًا لإدارة التوتر ومنع الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة. وعليه، تبدو الدبلوماسية في هذه المرحلة أقل كونها طريقًا إلى تسوية نهائية، وأكثر كونها وسيلة لكسب الوقت وضبط إيقاع التصعيد، بانتظار اتضاح ما إذا كان ميزان الردع سيبقى قائمًا أم سينهار تحت ضغط الحسابات العسكرية المتبادلة.



