
إيران تشدد حدودها مع العراق: أبعاد إقليمية وانعكاسات على الأحواز
إعداد: ناهض أحمد مولى
في توقيت لافت، التقى قادة حرس الحدود في إيران والعراق في مدينة بدرة العراقية لبحث تعزيز السيطرة على الحدود المشتركة، وتكثيف الدوريات، وتبادل المعلومات العملياتية، ومنع التسلل وتهريب السلاح والبضائع. الاجتماع — بحسب ما أوردته وكالة إيرانية — ركّز على تفعيل اللجان الأمنية المشتركة ورفع مستوى التنسيق الميداني بين الطرفين، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا بإحكام القبضة على الشريط الحدودي.
غير أن هذا التحرك لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنيًا روتينيًا فحسب، بل يأتي ضمن مرحلة إقليمية وداخلية شديدة الحساسية بالنسبة لطهران، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية الخارجية مع هشاشة داخلية متصاعدة. فالحدود الغربية لإيران لم تعد مجرد خط جغرافي، بل تحولت في الحسابات الأمنية إلى جبهة محتملة في حال تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة أو حدوث اهتزاز داخلي واسع داخل البلاد.
القراءة الأولى لهذا التحرك ترتبط مباشرة بالتصعيد العسكري في الإقليم. فإيران تدرك أن أي مواجهة واسعة مع واشنطن أو إسرائيل لن تقتصر على الضربات الجوية أو البحرية، بل قد تتضمن أنشطة استخباراتية، عمليات خاصة، أو تحركات غير تقليدية عبر الحدود. الحدود العراقية، الممتدة والطبيعية التضاريس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في هذا السياق، ليس بسبب العراق كدولة، بل بسبب الفراغات الأمنية والمساحات التي يمكن أن تُستغل لعمليات تسلل أو دعم لوجستي أو تحركات معارضة. لذلك تسعى طهران إلى تقليص أي “مساحات رمادية” يمكن أن تتحول إلى نقاط اختراق في لحظة تصعيد.
لكن البعد الخارجي ليس وحده المحرك. فالتشديد الحدودي يأتي أيضًا في ظل قلق داخلي متزايد. إيران تمر بمرحلة ضغط داخلي مركّب يتمثل في أزمة اقتصادية حادة، تراجع في قيمة العملة، اتساع رقعة الاحتجاجات، وتآكل مستمر في الثقة الشعبية. في مثل هذه البيئات، لا تخشى الأنظمة من الاحتجاجات وحدها، بل من تداخل الداخل مع الخارج. أي حدود رخوة قد تسمح بخروج معارضين، أو دخول دعم إعلامي أو استخباراتي، أو تحوّل مناطق حدودية إلى بؤر توتر مسلح. لذلك يصبح ضبط الحدود جزءًا من استراتيجية “إغلاق الدائرة” حول الداخل، لمنع تشكّل أي عمق خارجي لحراك داخلي محتمل.
إلى جانب ذلك، تمثل الحدود مع العراق حلقة حيوية في الممر البري الإيراني الممتد نحو سوريا ولبنان. هذا الممر ليس مجرد مسار جغرافي، بل ركيزة أساسية في النفوذ الإقليمي لطهران. أي فوضى أو ضعف في السيطرة على هذه الحدود قد يهدد خطوط الإمداد، وحركة الفصائل المتحالفة مع إيران، ويقوض العمق الاستراتيجي الذي بنت عليه طهران جزءًا كبيرًا من سياستها الإقليمية. من هنا، فإن تشديد الحدود يُقرأ أيضًا كمحاولة لحماية “الظهر الإقليمي” في لحظة تخشى فيها طهران ضغوطًا مباشرة على “الواجهة” العسكرية والسياسية.
غير أن أخطر أبعاد هذا التحرك يرتبط بالجبهة الداخلية، وخصوصًا المناطق غير الفارسية، وعلى رأسها الأحواز. فالأحواز ليست مجرد إقليم طرفي، بل منطقة نفطية حيوية ذات خصوصية قومية، وشهدت تاريخيًا احتجاجات وانتفاضات. في أي سيناريو ضعف مركزي حاد أو انهيار في القيادة الإيرانية، تميل الأطراف القومية إلى أن تكون أولى المناطق التي تشهد حراكًا واسعًا، سواء للمطالبة بحقوق سياسية موسعة أو الحكم الذاتي أو أشكال أخرى من إعادة تعريف العلاقة مع المركز.
في هذا السياق، تخشى طهران من سيناريو مزدوج: اضطراب داخلي في الأطراف، وتداخل إقليمي عبر الحدود يوفر دعمًا سياسيًا أو إعلاميًا أو لوجستيًا لهذه التحركات. لذلك فإن ضبط الحدود مع العراق اليوم لا يستهدف فقط التهديدات العسكرية المباشرة، بل يسعى أيضًا إلى عزل المناطق الحساسة، مثل الأحواز، عن أي عمق جغرافي قد يتحول مستقبلًا إلى بيئة حاضنة أو داعمة لحراك داخلي.
إذا حدث ضعف حاد في المركز الإيراني، فإن أولويات السلطة ستنحصر في حماية طهران والمدن الكبرى ومراكز القرار، ما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في القدرة على الضبط الأمني الصارم في الأطراف. عندها تصبح الأحواز ساحة محتملة لحراك شعبي واسع، ونقطة ضغط استراتيجية على ما تبقى من الدولة الإيرانية، وملفًا إقليميًا ودوليًا مطروحًا على الطاولة. لكن إدراك طهران لهذا الاحتمال هو ما يدفعها اليوم إلى التحرك استباقيًا لعزل هذه الجبهات جغرافيًا وأمنيًا قدر الإمكان.
الخلاصة أن تشديد إيران قبضتها على حدودها مع العراق ليس إجراءً تقنيًا محدودًا، بل جزء من رؤية أمنية شاملة تستعد لمرحلة قد يتقاطع فيها التصعيد العسكري الخارجي مع اضطراب داخلي عميق. وفي قلب هذه الحسابات تقف الأطراف القومية، وعلى رأسها الأحواز، كجبهات داخلية محتملة في أي لحظة ضعف كبرى. لذلك تحاول طهران منذ الآن تقليص المخاطر عبر تحصين الحدود، في محاولة لإدارة أخطر سيناريو تخشاه: حرب على الحدود… وانتفاضة في الداخل في الوقت نفسه.



