تصعيد مضيق هرمز: قراءة عسكرية في مناورات إيران ومؤشرات المواجهة مع واشنطن
إعداد: ناهض أحمد مولى

تصعيد مضيق هرمز: قراءة عسكرية في مناورات إيران ومؤشرات المواجهة مع واشنطن
إعداد: ناهض أحمد مولى
تنتهي اليوم المناورات العسكرية الإيرانية المعلنة قرب مضيق هرمز، لكن المؤشرات الميدانية لا توحي بانخفاض التوتر بقدر ما تعكس انتقالًا إلى مرحلة أكثر حساسية من إعادة التموضع العسكري. فإشعارات الطيران العسكرية المستمرة، وتحركات الوحدات الساحلية، والتزامن مع حشود بحرية أميركية في الخليج العربي وبحر العرب، كلها تشير إلى أن ما يجري يتجاوز تدريبًا روتينيًا، ويدخل في إطار استعدادات عملياتية ضمن بيئة مواجهة مفتوحة على احتمالات التصعيد. في هذا السياق، لا يُنظر إلى إعلان طهران عن مناورات أو إغلاق مناطق جوية وبحرية باعتباره إجراءً تقنيًا فحسب، بل كجزء من مشهد عسكري أوسع يتقاطع مع تصاعد الخطاب السياسي، وازدياد الحضور البحري الأميركي، واتساع رقعة التهديدات المتبادلة بين الطرفين.
إصدار إيران إشعارًا للطيران (NOTAM) لإجراء تدريبات عسكرية قرب مضيق هرمز يحمل دلالات تتجاوز الإطار التدريبي البحت، إذ يأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا عسكريًا وسياسيًا واضحًا. فالمضيق لا يُعد مجرد ممر مائي إقليمي، بل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وتدفق الطاقة، وأي نشاط عسكري في نطاقه يُقرأ فورًا ضمن حسابات الردع والضغط الاستراتيجي. إعلان طهران عن هذه التدريبات يبعث برسالة مزدوجة: تأكيد الجاهزية العسكرية في واحد من أكثر المواقع حساسية في العالم، وإظهار القدرة على التحكم بمجال العمليات البحري في مواجهة الحضور العسكري الأميركي المتزايد.
تتزايد أهمية ميناء جاسك، الواقع خارج مضيق هرمز، بوصفه المنفذ البحري البديل لإيران في حال تعطل الملاحة داخل المضيق، ما يجعل إبقاء محيطه ضمن نطاق إجراءات عسكرية مشددة مؤشرًا على تجهيزه كنقطة ارتكاز عملياتية متقدمة، سواء لتعزيز الدفاع الساحلي أو لتفعيل قدرات بحرية وصاروخية بعيدة عن نقطة الاختناق الرئيسية. وفي الوقت نفسه، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار النشاط العسكري على امتداد الساحل، بما في ذلك محافظة بوشهر، حيث يُفهم الحراك هناك كجزء من منظومة انتشار أوسع تهدف إلى توزيع القدرات وعدم حصرها في جغرافيا ضيقة يسهل استهدافها.
بالتوازي، تفيد تقارير استخباراتية بتموضع وحدات من الحرس الثوري على طول السواحل الجنوبية، خصوصًا في نطاق مضيق هرمز والخليج العربي، في انتشار يتجاوز مفهوم الحماية الساحلية التقليدية إلى الاستعداد لسيناريوهات مواجهة متعددة تشمل ضربات جوية، محاولات إنزال، أو عمليات بحرية خاصة. هذا التموضع في نقاط حساسة يعزز خيارات الحرب غير المتكافئة، مثل استهداف السفن، واستخدام الزوارق السريعة، ونشر الألغام البحرية، وهي أدوات صُممت أساسًا لرفع كلفة أي تدخل عسكري مباشر وجعل بيئة العمليات معقدة وخطرة على الخصم.
في المقابل، يتزامن هذا المشهد مع ما تصفه التقارير بحصار بحري أميركي متدرج، عبر انتشار حاملات طائرات ومدمرات وفرقاطات في الخليج وبحر العرب. إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إرسال “أرمادا” بحرية إلى المنطقة يندرج ضمن سياسة الردع القصوى، لكنه في الوقت ذاته يزيد من احتمالات الاحتكاك غير المقصود. وجود هذا الحجم من القطع البحرية والطائرات المقاتلة يجعل أي خطأ في التقدير أو حادث تكتيكي محدود قابلًا للتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع.
العنصر الأكثر حساسية يتمثل في وصول طائرة الاستطلاع الأميركية RC-135V إلى قاعدة العديد في قطر. هذه الطائرة المتخصصة في استخبارات الإشارات لا تعمل في ظروف عادية، بل عند اقتراب مرحلة تحديد الأهداف. دورها في مراقبة الاتصالات الإيرانية، خصوصًا البحرية، يعني أن أي أوامر ميدانية تصدر لإغلاق المضيق أو تحريك وحدات صاروخية قد تُرصد فورًا، ما يفتح الباب أمام ضربات استباقية. بهذا المعنى، لم يعد الصراع في مرحلة تبادل الرسائل فقط، بل دخل نطاق المراقبة العملياتية المباشرة.
كل هذه المعطيات تشير إلى أن المنطقة تعيش لحظة توازن هش بين الردع والانفجار. المناورات تنتهي على الورق، لكن الاستعدادات تتصاعد على الأرض. المضيق لم يُغلق، لكن سيناريو إغلاقه لم يعد نظريًا. الحشود البحرية لم تشتبك، لكنها باتت على مسافة قرار واحد من الاشتباك. في هذه البيئة المشحونة، يصبح الوقت عامل ضغط بحد ذاته، وتتحول كل حركة عسكرية، وكل إشعار طيران، وكل تصريح سياسي، إلى قطعة في معادلة أكبر عنوانها: من يغامر أولًا بكسر الخط الأحمر



