تقارير

تحليل: تهديدات “خاتم الأنبياء” لإسرائيل وأمريكا بين خطاب الردع وواقع القدرة الإيرانية

إعداد: ناهض أحمد مولى

تحليل: تهديدات “خاتم الأنبياء” لإسرائيل وأمريكا بين خطاب الردع وواقع القدرة الإيرانية

إعداد: ناهض أحمد مولى

في ظل تصاعد التوتر الإقليمي والتحركات العسكرية الأمريكية في الخليج العربي، جاء تصريح المسؤول العسكري في مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري الإيراني ليعكس مستوى مرتفعًا من الخطاب الردعي الإيراني. التصريح لم يكن مجرد تحذير تقليدي، بل حمل رسائل عسكرية وأمنية مباشرة مفادها أن أي تهديد للأمن القومي الإيراني سيُقابل بـ“قرار فوري وحازم”، وأن القوات المسلحة الإيرانية ترصد التهديدات منذ مراحلها المبكرة. هذا النوع من الخطاب يشير إلى انتقال إيران من موقع الرد السياسي إلى التلويح برد عسكري محسوب، في وقت تشهد فيه المنطقة حشودًا بحرية أمريكية غير مسبوقة.

اللافت في التصريح هو تركيزه على فكرة “إفشال الضربة المحدودة والنظيفة”، في إشارة واضحة إلى العقيدة العسكرية الغربية التي تقوم على ضربات دقيقة وسريعة لشل القدرات العسكرية دون التورط في حرب طويلة. الرد الإيراني هنا يعتمد على مفهوم الحرب غير المتكافئة، حيث تؤكد طهران أن البيئة البحرية المحيطة بها – في الخليج العربي وبحر العرب – هي ساحة عمليات محلية تعرفها جيدًا، وأن أي قوات أجنبية تتحول تلقائيًا إلى أهداف مكشوفة. هذه الرسالة تستهدف تقويض ثقة الخصم بقدرته على تنفيذ عمليات خاطفة منخفضة الكلفة.

كما يكشف التصريح عن اعتماد إيران على استراتيجية “منع السيطرة على مسار الصراع”، أي أنها لا تَعِدُ فقط بالرد، بل بخلط مسار أي مواجهة بحيث تخرج من يد مخططيها. هذا المفهوم يعكس إدراكًا إيرانيًا بأن ميزان القوى التقليدي ليس لصالحها، ولذلك تسعى إلى تعويض الفارق عبر توسيع مسرح العمليات ورفع الكلفة الجيوسياسية، خصوصًا عبر تهديد الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

في البعد الداخلي، يتعمد الخطاب الربط بين التهديدات الخارجية ومحاولات “زعزعة الداخل”، في إشارة إلى الاحتجاجات والضغوط السياسية. هذا الدمج يخدم هدفين: أولًا تبرير القبضة الأمنية، وثانيًا تقديم النظام كمدافع عن “الأمن القومي” في مواجهة مؤامرة شاملة. لكن هذا الربط يعكس أيضًا قلقًا ضمنيًا من هشاشة الجبهة الداخلية، إذ تخشى طهران من تزامن أي تصعيد عسكري مع اضطراب داخلي يصعب احتواؤه.

مع ذلك، فإن قراءة هذا الخطاب لا تكتمل دون مقارنته بسوابق سلوك إيران عند لحظات الاختبار الكبرى. فقبيل الهجوم الإسرائيلي الواسع العام الماضي، صدرت تهديدات مشابهة عن “معادلات ردع تمنع أي مغامرة”، لكن الضربات نُفذت داخل ساحات حساسة، بينما جاء الرد الإيراني محسوبًا لتفادي حرب شاملة. المثال الأوضح كان بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني، حين توعدت طهران برد قاسٍ، لكنها اكتفت بضربة صاروخية مدروسة على قاعدة عين الأسد حملت طابعًا رمزيًا أكثر من كونها تصعيدًا عسكريًا مفتوحًا.

المشهد تكرر أيضًا بعد الضربة الإسرائيلية على مبنى تابع للسفارة الإيرانية في دمشق ومقتل قيادات إيرانية بارزة، حيث جاء الرد غير مباشر ومحدود التأثير، مع حرص واضح على إبقاء المواجهة تحت السقف الإقليمي لا الدولي. هذه السوابق تشير إلى أن إيران، رغم امتلاكها أدوات ردع فعلية، توازن دائمًا بين الرد العسكري ومتطلبات بقاء النظام، وتُخضع قراراتها لحسابات الاستقرار الداخلي والاقتصادي.

بالتالي، يمكن فهم تصريحات مقر خاتم الأنبياء كجزء من حرب نفسية وردعية بقدر ما هي إعلان جاهزية عسكرية. طهران تسعى لرفع كلفة أي قرار عسكري ضدها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن حربًا واسعة قد تهدد تماسكها الداخلي في ظل الضغوط الاقتصادية والاحتقان الشعبي. لذلك، يظهر أن السلوك الإيراني الفعلي يميل إلى إدارة التصعيد لا تفجيره، وإلى ردود محسوبة تحافظ على صورة الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

هذا التناقض بين شدة الخطاب وحدود الفعل هو ما سيحدد شكل أي مواجهة مقبلة. فبينما تصر طهران على أن أي تهديد سيُقابل برد حاسم، تشير التجارب السابقة إلى أن “الحسم” الإيراني غالبًا ما يكون مضبوط الإيقاع، يهدف إلى تثبيت معادلة ردع دون إشعال حرب شاملة. وهنا تحديدًا يكمن جوهر المعركة الحالية: صراع إرادات، لا صراع جيوش فقط.

المصدر: قناة العالم – 27 يناير 2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى