
إيران تحت ضغط الداخل: الاقتصاد المتآكل وتشدد أمني يعمّقان الأزمة
ناهض أحمد مولى
تاريخ الصياغة: 22 يناير 2026
تمهيد عام
يشهد الداخل الإيراني حالة توتر متصاعد تعكس تداخلاً معقّدًا بين أزمة اقتصادية خانقة وتشدد متزايد في المقاربة الأمنية. هذا التوتر لا يمكن قراءته بوصفه موجة احتجاج عابرة أو رد فعل ظرفي على حدث محدد، بل يأتي نتيجة تراكم اختلالات بنيوية في إدارة الاقتصاد والمجال العام. ومع استمرار تآكل الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، باتت الأوضاع المعيشية عاملًا سياسيًا ضاغطًا يعيد تشكيل أنماط الاحتجاج وحدود الاستقرار الداخلي.
الأزمة الاقتصادية وأثرها الاجتماعي
تواصل معدلات التضخم المرتفعة وتراجع قيمة العملة الوطنية تقويض القدرة الشرائية للمواطنين، ما يضع شرائح واسعة من المجتمع أمام ضغوط يومية تتعلق بتأمين الاحتياجات الأساسية. في هذا السياق، لم يعد الاحتجاج فعلًا سياسيًا محدودًا تقوده فئات منظمة، بل تحول إلى تعبير اجتماعي واسع عن فقدان الأمان المعيشي. هذا التحول يمنح أي تحرك احتجاجي قاعدة أوسع ويجعل أدوات الاحتواء التقليدية أقل فاعلية، خصوصًا في ظل غياب مؤشرات حقيقية على تحسن اقتصادي قريب.
القيود الرقمية وتداعياتها
أدت القيود المفروضة على الإنترنت إلى تعطيل قطاعات حيوية من الاقتصاد الرقمي، وأثرت بشكل مباشر على مصادر دخل تعتمد عليها فئات واسعة، لا سيما الشباب وأصحاب الأعمال الصغيرة. ورغم تبرير هذه الإجراءات بدواعٍ أمنية، فإن نتائجها العملية جاءت معاكسة، إذ عمّقت الشعور بالعقاب الجماعي ووسّعت فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع. ومع تحول الإنترنت إلى أداة معيشية أساسية، تصبح هذه القيود عنصر ضغط إضافيًا يغذي التوتر بدل احتوائه.
المقاربة الأمنية واتساع دائرة التأثير
وسّعت السلطات نطاق أدواتها الأمنية لتشمل الاعتقالات والمصادرات وإغلاق الأعمال والملاحقات القضائية، في محاولة لرفع كلفة المشاركة في أي تحرك احتجاجي. هذا النهج قد يحقق تهدئة مؤقتة على مستوى الشارع، لكنه في المقابل يوسّع دائرة المتضررين اجتماعيًا واقتصاديًا، ويدفع فئات كانت على هامش الاحتجاج إلى الشعور بأنها معنية مباشرة بالسياسات الأمنية، ما يراكم توترًا كامنًا قابلًا للعودة في ظروف أكثر حساسية.
البعد الحقوقي والدولي
أسهم تصاعد الاهتمام الدولي بملفات حقوق الإنسان والقيود الرقمية في إضافة كلفة سياسية متزايدة على طهران. ورغم أن هذا الضغط لا يغيّر السلوك الأمني فورًا، فإنه يقيّد هامش المناورة الدبلوماسية ويؤثر تدريجيًا على البيئة الاقتصادية المحيطة بالأزمة، خصوصًا في ظل استمرار العزلة وتراجع فرص الانفراج المالي.
الخاتمة
تشير المعطيات مجتمعة إلى أن الاعتماد على المعالجة الأمنية وحدها لا يوفر استقرارًا دائمًا، بل يؤجل انفجار التوتر. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وغياب حلول ملموسة، تبقى احتمالات تجدد الاحتجاج قائمة، ما يجعل أي تهدئة مرهونة بتخفيف العبء المعيشي لا بإدارته أمنيًا فقط.
المصادر
– Reuters
– Associated Press (AP)
– BBC Monitoring
– تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
– بيانات صندوق النقد الدولي



