تحليل: اتصال بزشكيان بولي العهد السعودي ومحاولة إيران احتواء التصعيد الإقليمي
إعداد: ناهض أحمد مولى

تحليل: اتصال بزشكيان بولي العهد السعودي ومحاولة إيران احتواء التصعيد الإقليمي
إعداد: ناهض أحمد مولى
يشير الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى محاولة إيرانية واضحة لاحتواء التصعيد الإقليمي، في لحظة تتكثف فيها التحشيدات العسكرية والرسائل الردعية بين طهران وواشنطن. فبحسب ما نقلته وكالة رويترز، أبلغ بزشكيان الجانب السعودي أن إيران “ترحب بأي مسار يمنع الحرب” وتدعم الجهود السلمية القائمة على القانون الدولي، في خطاب يركّز ظاهريًا على التهدئة وخفض التوتر.
هذا التصريح يحمل عدة طبقات من الدلالات. أولاً، اختيار السعودية تحديدًا يعكس إدراك طهران أن أمن الخليج بات عقدة مركزية في معادلة الصراع. فالمملكة تمثل ثقلاً سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في الإقليم، وأي مواجهة واسعة مع إيران ستؤثر مباشرة على أسواق الطاقة والبنية الأمنية لدول الخليج. بالتالي، فإن توجيه رسالة طمأنة للرياض يهدف إلى منع تشكّل جبهة خليجية موحّدة داعمة لأي تحرك عسكري ضد إيران، أو على الأقل تقليل مستوى الحماس الإقليمي لمثل هذا السيناريو.
ثانيًا، تأكيد بزشكيان على “القانون الدولي” ليس تفصيلاً لغويًا عابرًا، بل جزء من معركة السردية السياسية. طهران تحاول الظهور بمظهر الطرف الذي يدعو إلى الحلول الدبلوماسية، في مقابل تصوير الولايات المتحدة كطرف يدفع نحو التصعيد العسكري. بهذا الأسلوب، تسعى القيادة الإيرانية إلى تحميل واشنطن مسبقًا مسؤولية أي حرب محتملة، وإقناع الرأي العام الإقليمي والدولي بأن إيران ليست البادئة، بل ضحية “الضغوط والتهديدات”. هذه الاستراتيجية تُستخدم عادة لتهيئة البيئة السياسية والإعلامية قبل أي تطور أمني كبير.
ثالثًا، الاتصال يعكس إدراكًا إيرانيًا لحساسية اللحظة. فالتصريحات الإيرانية المتشددة في الأيام الأخيرة، إلى جانب التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، خلقت مناخًا عالي التوتر. في مثل هذه الظروف، تلجأ الدول أحيانًا إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية إدارة الأزمة”، أي فتح قنوات تواصل وطمأنة مع أطراف إقليمية رئيسية، ليس بهدف تغيير جوهري في السياسات، بل لتقليل مخاطر الانزلاق غير المحسوب نحو مواجهة شاملة. من هذا المنظور، يبدو خطاب بزشكيان أقرب إلى أداة لشراء الوقت منه إلى إعلان تحول استراتيجي.
رابعًا، البعد السعودي في الاتصال يربط الملف الإيراني مباشرة بأمن الطاقة العالمي. أي صدام عسكري في الخليج أو مضيق هرمز سينعكس فورًا على صادرات النفط والغاز، وبالتالي على الاقتصاد الدولي. عبر إظهار استعدادها لدعم مسارات منع الحرب، تحاول طهران طمأنة العواصم الخليجية بأن مصالحها الحيوية لن تكون هدفًا مباشرًا، وفي الوقت نفسه تُلمّح إلى أن استمرار الضغوط قد يدفع المنطقة كلها إلى دائرة الخطر. إنها رسالة مزدوجة: تطمين مشروط، وتحذير مبطّن.
خلاصة المشهد، لا يعكس تصريح بزشكيان تحولًا جذريًا في سلوك إيران بقدر ما يعكس محاولة لإدارة مرحلة شديدة الخطورة. الهدف هو تهدئة الجوار الخليجي، إبقاء باب الوساطات مفتوحًا، تحميل واشنطن مسؤولية أي مواجهة، وكسب وقت إضافي في ظل ضغط عسكري متزايد. إنه خطاب احتواء سياسي لمرحلة تصعيد عسكري، لا بديل حقيقي عنه. ما لم يترافق هذا الخطاب مع خطوات ميدانية ملموسة لخفض التوتر، فسيبقى جزءًا من لعبة توازنات دقيقة، قد تنجح مؤقتًا في تأجيل الانفجار، لكنها لا تزيل أسبابه العميقة.
المصدر: Reuters



